على وقع مشاريع التهجير، التي تُطرح من قبل الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، بالنسبة إلى مستقبل الأوضاع في قطاع غزة، بالإضافة إلى إستمرار الإعتداءات التي تقوم بها تل أبيب في أكثر من ساحة: لبنان وسوريا تحديداً، جاءت نتائج القمة العربية، التي عقدت في القاهرة أول من أمس، عبر التشديد على تمسك العرب بالسلام كخيار إستراتيجي، وفقاً لرؤية حل الدولتين، الأمر الذي كانت المملكة العربية السعودية أول من أكدت الإلتزام به، في سياق الحديث المتكرر عن إمكانية وصولها إلى إتفاق لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

في هذا الاطار، كان العنوان الأبرز، لهذه القمة، هو الخطة العربية (المصرية تحديداً) المقابلة لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تم إعتمادها من قبل القمة، التي تستند إلى الحفاظ على حقوق وكرامة الشعب الفلسطيني، مع ضمان إعادة الإعمار وفق مراحل محددة، من منطلق رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، لكن الأبرز كان أن الخطة تضمنت تشكيل لجنة مستقلة، من شخصيات تكنوقراط، لإدارة شؤون غزة خلال مرحلة انتقالية مدتها ستة أشهر، تعمل تحت مظلة الحكومة الفلسطينية.

منذ ما قبل موعد القمة، كانت العديد من الجهات العربية قد ألمحت إلى أن المطلوب تنحي حركة "حماس"، بحسب ما تشير مصادر متابعة عبر "النشرة"، لافتة إلى أن الحركة لم تمانع ذلك، لا بل على العكس من ذلك ذهبت إلى الترحيب بما صدر عنها، حيث توضح أن الأساس، في الموقف العربي، هو التعامل مع التطورات التي كانت قد كرستها مرحلة ما بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول من العام 2023.

وتشدد هذه المصادر إلى أن العديد من الجهات العربية الفاعلة لم تكن غاضبة من تلك النتائج، بالنسبة إلى الضربات التي تعرضت لها كل من "حماس" و"حزب الله"، من منطلق أن هذا الأمر قاد إلى إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، لا بل هي تتحدث أيضاً عن أن المطلوب في لبنان، مقابل دعم عمليات إعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي، تطبيق الشروط نفسها المعتمدة في غزة، تحت عنوان سلاح الحزب ونفوذه.

هذا الواقع، يتم التعبير عنه من خلال الحديث عن أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، من المفترض أن يكون السلام هو الطابع الرئيسي لها، خصوصاً أن هذا الأمر يأتي على رأس قائمة أهداف ترامب في الشرق الأوسط، الأمر الذي لا تعارضه معظم الدول العربية بل أكدت عليه في قمة القاهرة، مع العلم أنها تقدم هذا الحل منذ قمة بيروت في العام 2002، لكن في المقابل من الضروري البحث في شروط السلام، المقبولة من الجانبين الأميركي والإسرائيلي.

بالنسبة إلى المصادر المتابعة، التعاطي مع ما صدر عن القمة العربية، من قبل واشنطن وتل أبيب، لا يبشر بالخير، نظراً إلى أن إسرائيل سارعت إلى دعوة الدول الإقليمية المسؤولة إلى "التحرر" من قيود الماضي والتعاون لخلق مستقبل من الإستقرار والأمن في المنطقة، مؤكدة التمسك بالخطة الأميركية، زاعمة أنه بموجبها "هناك فرصة لسكان غزة للاختيار بحرية"، بينما كان البيت الأبيض قد رأى أن الخطة العربية لا تعالج حقيقة أن القطاع غير صالح للسكن في الوقت الحالي، لافتاً إلى أن "ترامب متمسك بمقترحه لإعادة بناء غزة خالية من حماس".

بالإضافة إلى ما تقدم، لا يمكن إنكار حالة الإنقسام التاريخية في تل أبيب، حول مفهوم السلام القائم على حل الدولتين، المتبنى من قبل الدول العربية، حيث تلفت هذه المصادر إلى أن غالبية أعضاء الحكومة الحالية كانوا من ضمن الحركة الاحتجاجية المنظمة في إسرائيل ضد الرئيس السابق إسحاق رابين، الذي جاءت عملية إغتياله، في العام 1992، على وقع انتقادات من المحافظين اليمينيين وزعماء حزب "الليكود"، الذين اعتبروا عملية السلام "محاولة للتخلي عن الأراضي المحتلة والاستسلام لأعداء إسرائيل"، وهم اليوم يدعمون خيار "يهودية الدولة".

في المحصلة، تشير المصادر نفسها إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الذي يشعر، أنه مدعوم بشكل كامل من قبل الإدارة الأميركية، بـ"نشوة الإنتصار"، التي تدفعه إلى الحديث المتكرر عن نجاحه في تغيير الشرق الأوسط، لن يكون بوارد الموافقة على مشروع سلام، وفق الشروط العربية، خصوصاً أن المعادلات العسكرية، من وجهة نظره، تبدلت بشكل كامل، وبالتالي أي طرح، من الممكن أن يوافق عليه، يجب أن يكون وفق شروطه، ما يدفع إلى السؤال عن الخيارات البديلة لدى العرب لمواجهة ذلك؟.