قبل معركة "طوفان الأقصى"، وما ترتّب عليها من معادلات جديدة، كان استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت يُعَدّ في "موازين الردع"، بمثابة "إعلان حرب"، وقد رُسِمت العديد من المعادلات على خطه، لعلّ أشهرها "تل أبيب مقابل الضاحية"، حتى إنّه في عزّ "حرب الإسناد"، لم تستهدف إسرائيل الضاحية إلا في مرحلة متقدّمة، وحين فعلت ذلك في المرّة الأولى، حاولت تحييد "حزب الله"، باعتبار أنّ المُستهدَف كان قياديًا في حركة حماس.

لكن ما بعد معركة طوفان الأقصى ليس كما قبلها، فالضاحية أضحت اليوم بصورة أو بأخرى جزءًا من "بنك أهداف" إسرائيل، حتى في مرحلة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، في نهجٍ بدأ الأسبوع الماضي، تحت عنوان "الردّ"، ولو كان "غير متكافئ"، على حادث إطلاق صواريخ من لبنان، استغلّته إسرائيل لتُحدِث حالة من "الرعب" في قلب الضاحية، وكان لها ما أرادت بعد إنذار باستهداف مبنى يقع في منطقة مكتظّة، ووسط مدارس.

لم تكد تمرّ سوى أيام على استهداف الضاحية بذريعة "الرد" على إطلاق الصواريخ، حتى استيقظت الضاحية على هجوم آخر، هذه المرّة من دون إنذار، وتحت عنوان "عملية اغتيال استباقية"، لمواجهة ما قالت إنّه "تهديد مباشر وفوري"، مكرّسة بذلك ما تصفها بـ"حرية الحركة" التي زعمت أنّ اتفاق وقف إطلاق النار حفظها لها، لضرب أيّ "هدف" يشكّل تهديدًا لها، على كامل التراب اللبناني، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال.

وإذا كان استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لمرّتين في أقلّ من أسبوع، يُعَدّ التصعيد الأخطر منذ اتفاق وقف إطلاق النار وحتى اليوم، فإنّه يأتي ليتوّج سلسلة "متصاعدة" من الخروقات، منذ 27 تشرين الثاني الماضي، لم يقابلها "حزب الله" بالمثل، بل أصرّ على الالتزام بما وصفه بـ"الصبر"، توازيًا مع الوقوف خلف الدولة، فهل تسعى إسرائيل عمليًا لتغيير قواعد الاشتباك مع الحزب، وهل ينذر ذلك بتوسّع المواجهة، وربما العودة إلى زمن الحرب؟!.

بوتيرة تدريجية، تصاعدت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، منذ إبرامه على وقع "الجدال" الذي دار حول "حرية الحركة" التي قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنّ تل أبيب احتفظت بها بموجب الاتفاق، وهو ما نفاه الجانب اللبناني، الذي خرج منه من يضع الترويج الإسرائيلي في محاولة "تهدئة" الشارع الذي اعتبر قبول الاتفاق قبل تحقيق الأهداف المُعلنة، ومن ضمنها القضاء على "حزب الله" ونزع سلاحه، "خضوعًا وهزيمة".

لكن ما هي إلا أيام، حتى أقرنت إسرائيل القول بالفعل، حتى إنّها حقّقت في الأسابيع الأولى ما بعد الاتفاق أكثر ممّا حقّقته خلال الحرب، خصوصًا على مستوى التوغل البري في العديد من القرى الحدودية، من دون أن تواجه أيّ مقاومة كما كان الحال في فترة إطلاق النار، بل إنّ قواتها ظلّت متمركزة في العديد من المناطق الجنوبية، مستفيدة من "مهلة" نصّ عليها الاتفاق للانسحاب، لم تتردّد في تمديدها مرّة، واستثناء تلال وصفتها بالاستراتيجية منها بعد ذلك.

وفي وقتٍ كثر الحديث عن "ملحق سرّي" بالاتفاق استندت إليه إسرائيل، وعن اتفاق "ضمني" مع الولايات المتحدة كرّس لها "حرية الحركة" بغطاء أميركيّ ليس خافيًا على أحد، كانت وتيرة الخروقات الإسرائيلية تتصاعد شيئًا فشيئًا، فما بدأ استهدافًا لقرى الحافة الأمامية جنوب الليطاني في الأيام الأولى، سرعان ما تمدّد إلى شمال الليطاني، فالبقاع والحدود اللبنانية السورية، ليدخل سلاح الاغتيال على الخطّ، قبل أن تضاف الضاحية إلى "بنك الأهداف" أخيرًا.

وفقًا للعارفين، فإنّ هذا الأداء الإسرائيلي يمكن تفسيره من عدّة جوانب، فهناك من يعتبر أنّ إسرائيل تغيّر فعلاً قواعد الاشتباك مع "حزب الله"، من أجل جرّه إلى جولة ثانية من الحرب، بالتوازي مع الجولة الثانية من الحرب على غزة، خصوصًا أنّ إسرائيل تريد استكمال تحقيق أهدافها، وهي تعتبر أنّ الفرصة مثالية في ظلّ تراجع قوة "حزب الله" غير القادر على المواجهة، وهي فرصة قد لا تتكرّر مستقبلاً في حال استطاع استعادة عافيته.

وفي السياق، ثمّة من يتحدّث عن محاولة من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقفز فوق مشاكله الداخلية، من خلال "تسخين" الجبهات، وهو ما بدأ العمل عليه سواء في غزة، حيث قرّر العودة إلى الحرب فجأة ومن دون سابق إنذار، أو في لبنان، حيث كثّف الاعتداءات، وأطلق مسار العمليات الموضعية، إن صحّ التعبير، مع إدراكه أنّها يمكن أن توسّع المواجهة، وهو ما يبدو جاهزًا ومستعدًا له، بل ربما راغبًا به.

وفي المقابل، هناك من يقرأ في السلوك الإسرائيلي المدعوم أميركيًا أبعادًا أكبر وأعمق من ذلك، مرتبطة بالضغط على لبنان من أجل الشروع في مفاوضات سياسية، قد لا تصل إلى التطبيع المرفوض شعبيًا، ولو بات برأي كثيرين احتمالاً واقعيًا كثر من أيّ وقت مضى، لكنها يمكن أن تفضي إلى حلّ النقاط الإشكالية والخلافية، وبالتالي إلى "هدنة" تنهي كلّ أشكال التهديد على الحدود، وتكون على شاكلة اتفاقيات الهدنة التي تمّ إبرامها عام 1949.

إزاء ذلك، تُطرَح علامات استفهام بالجملة حول موقف "حزب الله"، وما إذا كان سيبقى على نأيه بنفسه من كلّ ما يحصل، وهو الذي يتمسّك مسؤولوه بمنطق "الصبر الاستراتيجي" الذي أدرجه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في سياق "نقاط القوة"، لكنّهم يشدّدون في الوقت نفسه على أنّ لهذا الصبر "حدودًا"، فهل يكون "تكريس" استهداف الضاحية الجنوبية وترويع سكانها "تجاوزًا" لهذه الحدود، أم أنّ "ضبط النفس" مستمرّ حتى إشعار آخر؟.

يقول العارفون بأدبيّات "حزب الله" إنّ لا شيء سيتغيّر في "تكتيك" الحزب في المدى المنظور، وهو لا يزال يعتبر أنّ الكرة في ملعب الدولة اللبنانية، وبالتالي فيجب إعطاؤها الفرصة من أجل معالجة أمر الخروقات الإسرائيلية، علمًا أنّ المواقف التي صدرت عن رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام من استهداف الضاحية ومن مسألة التطبيع إيجابية برأي الحزب، وإن كان المطلوب على المستوى العملي أكثر من ذلك.

وعلى الرغم من أنّ الشيخ قاسم لوّح بالعودة إلى "خيارات أخرى" في خطابه الأخير في يوم القدس، والذي جاء بعد ساعات على الاستهداف الأول للضاحية الجنوبية لبيروت، إلا أنّ اللجوء إلى مثل هذه الخيارات يبقى مُستبعَدًا في الوقت الحالي برأي العارفين، ليس فقط لأنّ الحزب يرفض الوقوع في "فخّ" يعتبر أنّ إسرائيل تجرّه إليه، ولكن أيضًا لأنّه غير جاهز لمثل هذا السيناريو، بدليل أنّه لم يهدّد حتى بالردّ كما كان يفعل مثلاً عند التهديد باستهداف الضاحية!.