بعد جولة الحرب الأميركية–الإسرائيلية الماضية على إيران، برزت تحركات على الخطين اللبناني والعراقي، كان عنوانها الأساسي الاستفادة من فرص اقتصادية يمكن الدخول على خطها من بوابة المشاريع التي كان يسوّق لها السفير الأميركي في تركيا توم براك. وتحديدًا ما يتعلق بممرات الطاقة والتجارة التي طُرحت كبديل عن مضيق هرمز، بعد التداعيات الاقتصادية التي فرضتها الحرب.
في ذلك الوقت، كانت الساحة العراقية تضج بخطة رسمية لحصر السلاح بيد الدولة، وضع لها رئيس الحكومة علي الزيدي جدولًا زمنيًا واضحًا قبل أن يضطر إلى التراجع. بينما في لبنان، كانت الحكومة قد وقّعت "اتفاق الإطار" مع تل أبيب، التي ذهبت استنادًا إليه إلى ربط أي انسحاب من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح "حزب الله".
في المرحلة الراهنة، تطل العديد من المؤشرات التي تستحق التوقف عندها. تبدأ من الأجواء التي توحي بأن واشنطن وتل أبيب لم تتراجعا عن الهدف الرئيسي، أي إسقاط النظام الإيراني. وهذا ما اضطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الدخول بشكل مباشر على خط الانتخابات الداخلية في إسرائيل، المقررة هذا الشهر، من خلال الإعلان عن دعمه لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تحت عنوان الحاجة إلى وجوده لاستكمال المهمة.
ليس هذا الدعم المؤشر الوحيد على إمكانية العودة إلى الحرب من جديد، بل إن العنوان الأبرز قد يكون ما يحصل على مستوى الحرب اليمنية. حيث تعمل السعودية على حشد تحالف واسع في المواجهة التي تخوضها مع حركة "أنصار الله"، لا يقتصر على أعضاء "تحالف مكة" بل يشمل أيضًا الجانب المصري. وذلك بالرغم من أن تل أبيب تطمح، منذ البداية، إلى أن تكون هذه الحرب بوابة للتطبيع بين الجانبين، انطلاقًا من قدرتها على تقديم الدعم الأمني والعسكري للرياض، في وقت لا تزال الأخيرة تقاوم ما يُطرح في هذا المجال، وتفضّل البدائل الأخرى.
بالإضافة إلى ما تقدّم، لا يمكن تجاهل معطى إضافي يتعلق بالساحة اللبنانية. إذ توحي المعطيات بأن الولايات المتحدة تريد الضغط لدفع السلطة الرسمية نحو اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد "حزب الله"، على الرغم من إدراكها الجيد أن ذلك قد يقود إلى صدام داخلي كبير، لا سيما إذا وصلت الأمور إلى حدود يعتبرها الحزب خطوطًا حمراء. حيث أظهرت العديد من الأحداث، تحديدًا في الأسبوع الماضي، أن واشنطن لن تقبل أي تساهل في التعاطي مع الحزب من قبل الحكومة اللبنانية.
في هذا السياق، الربط بين ما يحصل في العراق واليمن ولبنان يقود إلى فرضية قد تصبح أمرًا واقعًا، خصوصًا أن جزءًا منها قد نُفّذ بالفعل في الفترة الماضية. إذ إن الحرب المباشرة على طهران لم تقع إلا بعد توجيه ضربات قوية إلى حلفائها على مستوى المنطقة، حركة "حماس" في قطاع غزة و"حزب الله" في لبنان، وصولًا إلى إسقاط النظام السوري السابق. وبناءً على ذلك، فإن إشغال هؤلاء الحلفاء، أو من لا يزال يملك القدرة على التحرك منهم، في معارك داخلية، قد يكون المقدمة لعودة الحرب على إيران من جديد، والتي قد يكون موعدها بعد الانتهاء من الاستحقاقات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب أو قبل ذلك.
في المقابل، يبدو أن طهران تدرك هذا الأمر جيدًا. فقد عادت في الأيام الماضية إلى الحديث عن مراقبتها للتحركات الأميركية والإسرائيلية، فضلًا عن إطلاقها تهديدات بأن ردها سيكون أقسى وأكبر من المرات الماضية. وهو ما يفتح الباب أمام الكثير من علامات الاستفهام حول ما إذا كان الحلفاء سينخرطون في هذه الجولة حال وقوعها أم لا. لكن الأهم يبقى عما إذا كانوا قادرين على ذلك أساسًا، أم سيكونون غارقين في معارك أخرى تشغلهم عن مساندتها؟
























































