ليس كل دعم يأتي من حليف قوي يتحول إلى مكسب انتخابي، ولا كل تدخل خارجي يحقق النتيجة التي يريدها صاحبه. أحيانًا قد يتحول التأييد إلى عبء، خصوصًا حين يأتي من زعيم يواجه بدوره تراجعًا في شعبيته ومعركة سياسية في بلاده. هكذا يمكن قراءة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأييده لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عشية الانتخابات الإسرائيلية، لا بوصفه ضمانة لبقاء رئيس الحكومة في السلطة، بل باعتباره خطوة تنطوي على مكاسب محتملة ومخاطر لا تقل أهمية.
أراد ترامب، على ما يبدو، إظهار أن نفوذه يتجاوز حدود الولايات المتحدة، وأن علاقته بنتنياهو ما زالت ركيزة في مواجهة إيران، فأطلق موقفًا غير مسبوق لرئيس أميركي من خلال تأييد مرشح محدد للانتخابات الإسرائيلية. لكنه نسي أيضًا أنه يواجه هو نفسه تراجعًا في شعبيته، وفق استطلاعات حديثة، قبل الانتخابات النصفية المرتقبة في الثالث من الشهر المقبل. فما الفائدة التي يمكن أن يقدمها أي رئيس، حتى ولو كان رئيس أقوى دولة في العالم، لا يحظى بتأييد عالٍ من مواطنيه، لحليف يواجه تحديات داخلية؟ خصوصًا إذا كان اسم هذا الحليف نتنياهو، الذي تنتظره ملفات عديدة في القضاء الإسرائيلي، وهو مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، وكان السبب المباشر في تراجع الدعم الشعبي الدولي لإسرائيل لأول مرة في التاريخ الحديث.
وعلى نتنياهو وترامب معًا استذكار التجربة المجرية التي تستحق التوقف عندها. فقد دعم ترامب فيكتور أوربان، وسانده نائبه جاي دي فانس، لكن أوربان خسر الانتخابات. صحيح أن هذا لا يقدم دليلًا قاطعًا على أن التدخل الأميركي تسبب في الهزيمة، لكنه يثبت أن تأييد ترامب ليس "وصفة" مضمونة للفوز، وأنه قد تكون للناخبين حسابات تتقدم على مواقف الحلفاء الخارجيين.
وما يصحّ في المجر، يصحّ أيضًا في إسرائيل. ويمكن لنتنياهو توظيف دعم ترامب لإظهار متانة علاقته بواشنطن، خصوصًا في الملف الإيراني. لكن الناخب الإسرائيلي لا يصوّت فقط على العلاقة الشخصية بين الرجلين، لأنه يقف أيضًا أمام ملفات مكدّسة لاتهامات بحق الحكومة ورئيسها على الأداء الأمني، وتكاليف الحروب، والنتائج التي تحققت، وما إذا كانت البلاد تسير نحو استقرار أكبر أم نحو جولات جديدة من المواجهة.
ثم إن مطالبة ترامب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بالعفو عن نتنياهو خلال زيارته لإسرائيل عام 2025، من دون أن يلقى طلبه تجاوبًا، كشفت حدود النفوذ الأميركي في الداخل الإسرائيلي. فمن الممكن أن يستفيد نتنياهو من الدعم العلني، لكنه يعرّض نفسه أيضًا لانتقاد مفاده أن مستقبله السياسي بات مرتبطًا أكثر مما ينبغي برضا رئيس أميركي.
والمفارقة أن ترامب ربط استمرار مواجهة إيران ببقاء نتنياهو، وهو بحد ذاته سيف ذو حدين، لأنه يمنح خصوم الأخير فرصة للتشكيك بهذا المسار. فإذا كانت العلاقة مع واشنطن بهذه الأهمية، فلماذا يجب ربط المصالح الأمنية الإسرائيلية بشخص واحد؟ وهل تكفي الصداقة بين الرجلين لتعويض ما يراه الناخبون إخفاقات داخلية؟
قد لا يضرّ تأييد ترامب بنتنياهو، لكنه في المقابل لا يعني أن الفوز بات مضمونًا. ولا بدّ من التوقف عند نقطة مهمة، وهي أن ترامب يحتاج اليوم إلى إقناع الأميركيين بجدوى أدائه، فيما يطلب من الإسرائيليين تجديد الثقة بحليفه. وكأن الاثنين يراهنان على قدرة كل منهما على تعزيز صورة الآخر، من دون ضمان أن تنتقل هذه الصورة إلى صناديق الاقتراع.
هذا ما يظهر أن المشكلة لا تكمن في أن يدعم ترامب نتنياهو، بل في الاعتقاد بأن هذا الدعم يكفي لحسم المعركة. فالتحالفات قد تمنح القادة قوة إضافية، لكنها لا تعفيهم من الحساب الداخلي. وقد يكون التأييد الأميركي مكسبًا لنتنياهو، لكن يجب عدم إغفال حقيقة أن المبالغة في توظيفه قد تحوّله إلى عبء.


















































