في صيف العام 1988، أطلق المبعوث الأميركي في حينه ​ريتشارد مورفي​ العبارة الشهيرة التي يذكرها جميع ال​لبنان​يين: "مخايل الضاهر أو ​الفوضى​"... حينها عمّت الفوضى. واليوم، وفي خضم الأزمة القائمة في لبنان على أكثر من صعيد، يفرض الواقع نفسه بين لبنان الرسمي و​حزب الله​: التفاهم أو الفوضى. لا يمكن القول إن الفوضى ستكون أقسى مما شهده لبنان في السنوات الأخيرة، ولكنها ستشكّل من دون شك عبئًا كبيرًا على كاهل اللبنانيين لا قدرة لهم على استيعابه، وستكون نتائجه قاسية جدًا عليهم.

الاستحقاق اليوم بسيط، وهو يتعلق بإمكان توجيه ضربة عسكرية إلى ​إيران​. وتتجه الأنظار إلى الحزب لمعرفة ما ستكون عليه ردة الفعل، وسط تحذيرات جدية وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين بوجوب تجنب أي ذريعة لإطلاق يد ​إسرائيل​ في الرد غير المتكافئ. هذا الموقف سبق أن عاشه لبنان قبل الحرب على إيران، وكانت معركة "الإسناد الثانية" رد الحزب على العرض المماثل في حينه، فانطلق الإجرام الإسرائيلي من دون رادع إنساني، ووصلنا إلى الوضع الحالي الذي لا يرضى عنه أي لبناني.

الوضع اليوم مغاير تمامًا من الناحية العملية. فماذا سيفعل الحزب؟ هذا السيناريو المطروح، في حال حصلت الضربة العسكرية على إيران من قبل أميركا بمعية إسرائيلية، فهل سيرد أم لا، وكيف ستكون عليه العلاقة مع بقية اللبنانيين؟

يجب الانطلاق من مبدأ بسيط ومنطقي مفاده أن من يتفق مع الحزب ومن يختلف معه بشكل جذري، يلتقيان على أن أي رد من الحزب على ضربة لإيران سيؤدي إلى ضرب التفاهم أو ما تبقى منه بشكل كامل. فما الذي سيفعله الحزب في هذه الحالة؟

من وجهة نظر الحزب، فإن الرد واجب ديني وأخلاقي ورد للجميل، وهو يقضي بإطلاق ما يمكن من مسيّرات وربما بعض الصواريخ على أهداف إسرائيلية داخل لبنان وخارجه. وإن مثل هذا الرد سيعني أن الحزب فرض نفسه مجددًا على الساحة، وأبلغ من يعنيه الأمر أن القضاء عليه ليس متاحًا.

من وجهة النظر الأخرى، فالمعادلة بسيطة: رد الحزب لن يصل، بأي شكل من الأشكال، إلى حد دفع إسرائيل إلى تغيير رأيها، أو إلى إحداث تغييرات ميدانية لصالح الحزب، أو إلى إحراج المسؤولين الإسرائيليين أمام ناخبيهم والشارع الإسرائيلي والعالمي. ومن الواضح أن إمكانات الحزب العسكرية والميدانية قد تراجعت بشكل كبير جدًا، ورهانه على الاستنزاف البري خاسر لا محالة، فما الفائدة التي سيكسبها من أي رد محدود في الحجم والنتيجة؟

المعطيات كلها تفيد بأنه في حال الرد، فإن حسابات الخسائر أكبر بكثير من حسابات الربح. فإسرائيل ستضرب في عمق لبنان و​بيروت​، وستسقط العديد من ​الشهداء​ والضحايا المدنيين، وستزيد من توغلاتها في الأراضي اللبنانية، وستتعزز شعبية المسؤولين الحاليين بشكل مضطرد، وسيزيد الشرخ القائم بين الحزب والمكونات اللبنانية الأخرى (على الصعيدين الطائفي والسياسي). وستذهب وعود حزب الله لأنصاره ومؤيديه بتخصيصهم بتعويضات جزئية عما خسروه مهب الريح. عندها ستنتشر الفوضى، ويغلق الباب أمام أي تفاهم قد يحصل، لأن الغضب وصل إلى أوجه من التفرد بتصرفات لا طائل منها.

وفي ميزان الربح والخسارة، فإن عدم رد الحزب سيشكّل ربحًا له بالدرجة الأولى، أكبر بكثير من الرد، وسيزيح عنه ولو جزئيًا تهمة تفضيل المصالح الخارجية على المصالح اللبنانية، وسيحافظ على الجزء المتبقي من مؤيديه من خارج الحزب.