لم يكن اجتماع طهران، الذي جمع مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان وإيران في بداية الأسبوع الحالي، لقاءً عاديًا في توقيته أو دلالاته. فقد انعقد في ظل مخاوف من تجدد الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وتصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، واستمرار الخلاف حول مضيق هرمز، وشروط التفاوض بين واشنطن وطهران. من هنا، تبدو أهميته مرتبطة بما يمكن أن يمهد له، أكثر مما أُعلن عنه في بيانه الختامي، الذي اقتصر على مواصلة الحوار بشأن الأمن والسلام الإقليميين.
اختيار طهران مكانًا للاجتماع لم يكن من باب الصدفة، بل حمل رسالة سياسية واضحة. فحضور مسؤولين بهذا المستوى من الدول الثلاث الموقعة على اتفاق مكة الدفاعي (وخصوصًا السعودية) يعني أن استبعاد إيران من أي ترتيبات أمنية إقليمية ليس خيارًا واقعيًا في نظر هذه الدول. ولكنه لا يعني أيضًا قبول سياساتها أو التخلي عن أدوات الردع في مواجهتها. المسألة أقرب إلى محاولة الجمع بين الضغط السياسي والعسكري وفتح باب التسوية، قبل أن تفرض المواجهة وقائع يصعب احتواؤها.
بالنسبة إلى السعودية، تبدو الأولوية منع انتقال الحرب إلى استنزاف طويل يهدد المنشآت النفطية والملاحة والاستقرار الداخلي. أما تركيا، فتسعى إلى الحد من اتساع الصراع وحماية مصالحها الإقليمية، فيما تملك باكستان قنوات اتصال تتيح لها أداء دور الوسيط بين طهران وخصومها. وتلتقي هذه المصالح عند نقطة أساسية: لا تريد هذه الدول أن تتحول الحرب إلى مواجهة مفتوحة لا تستطيع التحكم بنتائجها، وتنعكس سلبًا على المنطقة بأسرها.
ولا يمكن إغفال أن الاجتماع أتى ليحدد شخصية "اتفاق مكة"، وتقديمه على الساحة كلاعب إقليمي جديد يحاول فرض نفسه في المعادلات الدولية، والعمل على الجمع بين الردع والحوار خلال المرحلة الحالية. نجاح هذا التوازن يتوقف على قدرة طهران على تقديم ضمانات عملية بشأن أمن الجوار، لا الاكتفاء بالدعوة إلى أمن إقليمي بعيد عن التدخلات الخارجية.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد يتيح التحرك الإقليمي فرصة للتوصل إلى تفاهم يخفف كلفة الحرب ويعالج ملفات الملاحة والحصار والبرنامج النووي، خصوصًا وأن واشنطن باتت على بعد أيام فقط من الانتخابات النصفية. إلا أن الخلاف على ترتيب الخطوات والضمانات يجعل التسوية صعبة، خصوصًا إذا اعتبرت الإدارة الأميركية أن تخفيف الضغط يسبق الحصول على تنازلات ملموسة. وهنا تظهر المفارقة: قد يفتح التصعيد باب التفاوض، لكنه قد يغلقه أيضًا إذا تجاوزت العمليات العسكرية حدود السيطرة.
وتراقب إسرائيل هذا المسار بحسابات متباينة. فالتفاهم الذي يحد من الهجمات ويضبط البرنامج النووي قد يخدم بعض أهدافها الأمنية، لكن نشوء آلية إقليمية مستقلة لإدارة الأزمات قد يحد من قدرتها على التأثير في مسار المواجهة. علمًا أنها لا تعتبر تركيا التهديد الأكبر حاليًا، فكيف إذا وجدت أن أنقرة تعمل على تعزيز وجودها ونفوذها وتطويق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة؟
ولن يكون لبنان وسوريا بعيدين عن نتائج أي تحول. فخفض التصعيد الأميركي–الإيراني قد يخفف الضغط الإقليمي على الساحة اللبنانية، لكنه لا يضمن وحده وقف المواجهة العسكرية مع إسرائيل. وفي سوريا، قد يفتح أي تفاهم جديد المجال لإعادة ترتيب العلاقات والنفوذ بين القوى الإقليمية، من دون أن يحسم مستقبل الوجود الإيراني أو المصالح التركية والسعودية.
قد لا يكفي الاجتماع للقول إن تسوية كبرى باتت وشيكة. وستتحدد دلالته الحقيقية في الأيام المقبلة، حين تتضح صورة التهديدات العسكرية ومصير المفاوضات وضمان أمن الملاحة... عندها فقط يمكن الحكم إن كانت طهران قد فتحت باب تسوية إقليمية، أم أنها منحت الأطراف فرصة إضافية لالتقاط الأنفاس قبل التصعيد.