دخل المشهد السياسي اللبناني مرحلة من المراوحة التي تبدو أقرب إلى قرار بتأجيل المواجهات الداخلية منها إلى تفاهم على معالجة الملفات الخلافية، في ظل انتظار ما ستفرزه التطورات الإقليمية، ولا سيما نتائج الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، وما يمكن أن يترتب عليها من تبدلات في طريقة التعامل مع لبنان والمنطقة. فالقوى السياسية تدرك أن المرحلة المقبلة قد تحمل ضغوطًا جديدة أو فرصًا لتفاهمات.
لذلك، لا يبدو أن هناك استعدادًا لخوض مواجهات داخلية كبرى قبل اتضاح الاتجاه الذي ستسلكه المنطقة. علمًا أن هذا الانتظار لا يرتبط بالانتخابات وحدها، بل بمسار المواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، وما إذا كانت الاتصالات الدبلوماسية الجارية ستنجح في منع جولة جديدة من الحرب. فلبنان ليس بعيدًا عن هذه الحسابات، سواء بسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه، أو ارتباط الملفات الأمنية والسياسية الداخلية بالنقاش الإقليمي الأوسع حول الترتيبات المقبلة. وبالتالي، فإن أي تحول في العلاقة بين واشنطن وطهران، أو في أولويات الحكومة الإسرائيلية، ستكون له انعكاسات على حجم الضغوط التي قد يتعرض لها لبنان.
في هذا السياق، يمكن قراءة ما حصل في مجلس الوزراء بشأن طلب إحالة قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر إلى المجلس العدلي. فالقرار الذي انتهى إليه المجلس، والقاضي بمواصلة البحث في الإحالة على ضوء تقدم التحقيقات، عكس وجود رغبة في تجنب تحويل القضية إلى مواجهة سياسية داخل الحكومة، على الأقل في الوقت الحالي.
وقد ظهر هذا التوازن بوضوح في النقاش الحكومي، حيث تمسك وزير العدل عادل نصار بطلب الإحالة، فيما اعترض وزراء "القوات اللبنانية" على عدم اتخاذ القرار فورًا، وانسحبوا من الجلسة. وفي المقابل، ساهمت الاتصالات السياسية التي سبقت الاجتماع في الوصول إلى صيغة تترك الباب مفتوحًا أمام الإحالة لاحقًا، وتمنح التحقيقات الجارية فرصة لاستكمال مسارها.
وبحسب معلومات "النشرة"، فإن القضاء العسكري يواصل تحقيقاته، وقد تتضح نتائج أساسية خلال أيام قليلة، ما يعني أن التأجيل السياسي لا يساوي بالضرورة تجميد الملف قضائيًا. لكن ما ستفضي إليه التحقيقات، وما إذا كانت ستؤدي إلى إحالة القضية إلى المجلس العدلي، يبقيان مسألتين غير محسومتين بحسب المعلومات، ولا يمكن استباقهما باستنتاجات سياسية.
الأهم أن هذه المقاربة قد لا تكون محصورة بقضية المتفجرات، بل تعكس توجهًا أوسع لدى المراجع الرسمية إلى إدارة الخلافات حاليًا بدلًا من تفجيرها. ففتح مواجهة داخلية واسعة حول الملفات الأمنية، في وقت لم تتضح فيه نتائج التحولات الإقليمية، قد يضع الحكومة أمام أزمة يصعب احتواؤها، خصوصًا مع استمرار التباينات حول سلاح حزب الله ودور الجيش ودور الدولة في أي ترتيبات أمنية جديدة.
في المقابل، لا يعني التريث أن الخلافات تراجعت أو أن الأطراف بدّلت مواقفها. فكل فريق لا يزال متمسكًا بمقاربته، لكنه يحسب توقيت الانتقال إلى خطوات أكثر حسمًا، انطلاقًا من تقديره لما قد يتغير في الموقف الأميركي والإسرائيلي، ولما إذا كانت المرحلة المقبلة ستتجه نحو التسوية أو التصعيد.
من هنا، يمكن السؤال: ما الذي سيحصل عندما تنتهي فترة الانتظار؟ فإذا فتحت التطورات الإقليمية باب التهدئة، قد تجد القوى اللبنانية مساحة لإعادة تنظيم خلافاتها ضمن تسويات داخلية. أما إذا اتجهت المنطقة إلى مواجهة جديدة، فقد تتحول الملفات المؤجلة، وفي مقدمها القضايا الأمنية، إلى قنابل موقوتة تفجّر الداخل اللبناني.





















































