ليست كل جريمة تقع على الأموال مستثناة من العفو العام، كما أن وصف الفعل بأنه سرقة أو تزوير أو احتيال لا يكفي وحده لحسم مصير الملاحقة الجزائية. فقد ميّز ​قانون العفو العام​ رقم 70 الصادر في 4 أيلول 2026 بين جرائم محددة مستثناة صراحةً، مثل التزوير و​الإفلاس الاحتيالي​ والجرائم الواقعة على المال العام، وبين جرائم أخرى ربط استثناءها بشروط معينة، أبرزها ​تكرار الملاحقات​ أو الأحكام في قضايا السرقة.

ثم جاء ​قرار المجلس الدستوري​ رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026 ليحسم مسألة أساسية في هذا المجال، إذ أكد أن استثناء ​جرائم التزوير​ يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في ​قانون العقوبات​، وليس فئة ضيقة منها فحسب.

لكن ماذا عن السرقة التي تقع على أموال الأفراد؟ ومتى تصبح السرقة المتكررة مانعًا من الاستفادة من العفو؟ وهل يشمل الاستثناء كل أشكال الاحتيال، أم أن القانون حدد جرائم بعينها؟ وأين يقع الحد الفاصل بين الاعتداء على الأموال الخاصة والجرائم التي تمس المال العام أو ​المؤسسات المالية​؟

الإجابة تبدأ من قاعدة قانونية أساسية: لا يجوز توسيع الاستثناءات من العفو إلى ما يتجاوز النص، كما لا يجوز تجاهل استثناء ورد فيه صراحةً.

أولًا: السرقة ليست مستثناة دائمًا، لكن التكرار قد يمنع الاستفادة من العفو

خصّصت الفقرة الثالثة عشرة من المادة الثانية من قانون العفو حكمًا مستقلًا لجرائم السرقة، وربطت استثناءها من العفو بعدد الملاحقات أو الأحكام السابقة.

فبحسب النص، تُستثنى جنايات السرقة في حال تكرار الملاحقات أو الأحكام أكثر من مرتين، كما تُستثنى جنح السرقة في حال تكرار الملاحقات أو الأحكام أكثر من ثلاث مرات.

وهذا يعني أن المشرّع لم يضع قاعدة عامة تستثني كل سرقة من العفو، بل اعتمد معيارًا يرتبط بتكرار الملاحقات أو الأحكام، مع اختلاف الحد بين الجنايات والجنح.

وتكمن أهمية هذا التفريق في أن السرقة قد تختلف في وصفها القانوني تبعًا لظروفها والعناصر التي تتوافر فيها. لذلك، لا يمكن تحديد أثر العفو بالاعتماد على القيمة المالية للمسروقات وحدها، ولا على وصف عام للواقعة، بل يجب أولًا تحديد ما إذا كانت الجريمة تُصنّف جناية أم جنحة، ثم التحقق من انطباق شرط التكرار الوارد في القانون.

كذلك، لا يصح استبدال عبارة «الملاحقات أو الأحكام» بعبارة «الإدانات النهائية» من دون سند قانوني. فقد استخدم المشرّع التعبيرين الأولين في صياغة الاستثناء، ما يقتضي بحث دلالتهما القانونية عند تطبيق النص على ملف معين.

وعليه، فإن مجرد وجود ملاحقة واحدة أو حكم واحد في قضية سرقة لا يكفي وحده للاستنتاج بأن الجريمة مستثناة بموجب الفقرة الثالثة عشرة. لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن العفو ينطبق عليها، إذ يجب التأكد من عدم وجود استثناء آخر في القانون يشمل الواقعة نفسها.

ثانيًا: ماذا لو تعلقت السرقة بالمال العام أو بأموال المؤسسات المالية؟

هنا يتغير التحليل القانوني بصورة جوهرية.

فالمادة الثانية لا تكتفي باستثناء السرقة المتكررة، بل تستثني أيضًا الجرائم الواقعة على المال العام. كما تتناول بنود أخرى اختلاس الأموال العمومية أو إساءة الأمانة بها أو سرقتها، والأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية، والجرائم المرتبطة بالإثراء غير المشروع والتهرب الضريبي.

وهذا يعني أن بعض الأفعال التي تتخذ صورة السرقة لا تخضع فقط لشرط التكرار الوارد في الفقرة الثالثة عشرة، بل قد تدخل ضمن استثناءات أخرى بسبب طبيعة الأموال المعتدى عليها أو الوصف الجرمي المحدد في الملف.

فإذا كانت الواقعة تتعلق بأموال عامة، وجب فحص الاستثناء الخاص بالجرائم الواقعة على المال العام. وإذا تعلقت بأموال مؤسسة مالية أو مصرفية، وجب التحقق من انطباق البنود المتعلقة بهذه الأموال و​الجرائم المالية​ ذات الصلة.

ولا يجوز، في المقابل، اعتبار كل نزاع مالي مع مصرف جريمة سرقة، أو افتراض أن كل إخلال بالتزام مالي يشكل جريمة جزائية. فالمسؤولية الجزائية تتطلب توافر عناصر الجريمة التي ينص عليها القانون، ولا تُستنتج من مجرد وجود خسارة مالية أو نزاع على دين أو عقد.

والنتيجة أن تحديد مصير الملف يتطلب النظر إلى طبيعة المال، والفعل المنسوب إلى الشخص، والوصف القانوني للجرم، والاستثناء الذي قد ينطبق عليه. ولا يكفي أن تحمل الواقعة وصفًا ماليًا عامًا.

ثالثًا: التزوير خارج العفو، وقرار المجلس الدستوري حسم نطاق الاستثناء

كان بند التزوير في المادة الثانية من أكثر الأحكام التي احتاجت إلى تفسير دستوري. فقد استثنى القانون «جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني والأجنبي وترويجه والنيل من مكانة الدولة المالية»، إلى جانب الإفلاس الاحتيالي والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وسائر القوانين والأنظمة المتعلقة بالمصارف.

وأثار استخدام عبارة «جرائم التزوير» سؤالًا حول نطاق الاستثناء: هل يقتصر على التزوير المرتبط بالأختام والعلامات الرسمية والعملة والأسناد المالية العامة، أم يشمل جميع جرائم التزوير الواردة في قانون العقوبات؟

حسم المجلس الدستوري المسألة بتحفّظ تفسيري ملزم، إذ قرر أن استثناء جرائم التزوير يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات.

وهذا التفسير يمنع قصر الاستثناء على فئة ضيقة من جرائم التزوير، ويؤكد أن نطاقه لا يتوقف عند تقليد النقد أو تزوير المستندات الرسمية والمالية.

لكن هذا لا يعني أن كل مستند غير صحيح أو كل خلاف بشأن توقيع أو وثيقة يثبت تلقائيًا وقوع جريمة تزوير. فوجود الجريمة وتحديد نوعها يتطلبان تطبيق النص الجزائي على الوقائع، والتحقق من العناصر التي يشترطها القانون، ثم تحديد أثر الاستثناء على الملف المعني.

ومن الضروري أيضًا التمييز بين استثناء الجريمة من العفو وبين ثبوت ارتكابها. فالقرار الدستوري حدّد نطاق الاستثناء، لكنه لم يحسم الوقائع في كل قضية تزوير على حدة، ولم يحوّل الاتهامات أو الشبهات إلى أحكام إدانة.

رابعًا: هل يشمل الاستثناء كل أشكال الاحتيال؟

لا بد من التدقيق هنا في صياغة القانون. فالمادة الثانية استثنت صراحةً جرائم الإفلاس الاحتيالي، لكنها لم تستخدم في هذا الموضع عبارة عامة تستثني جميع الجرائم التي يمكن وصفها بالاحتيال.

وهذا فارق مهم. فالإفلاس الاحتيالي جريمة محددة، ولا يجوز مساواته تلقائيًا بكل صورة من صور الاحتيال أو الخداع أو الحصول على المال بوسائل غير مشروعة.

وعند دراسة قضية احتيال، ينبغي تحديد النص الذي جرى إسناد الفعل بموجبه إلى المتهم، ثم فحص ما إذا كانت الواقعة تدخل ضمن أحد الاستثناءات الواردة في المادة الثانية.

وقد تتداخل بعض الوقائع مع جرائم أخرى مستثناة، مثل التزوير أو الجرائم الواقعة على المال العام أو الجرائم المصرفية أو تبييض الأموال. وفي هذه الحالات، قد يكون الاستثناء مرتبطًا بالوصف الجرمي الآخر، لا بمجرد استخدام كلمة «احتيال» في وصف القضية.

كذلك، لا يكفي أن يكون هناك إخلال بعقد أو عدم تنفيذ التزام مالي للقول إن الأمر يشكل جريمة احتيال. فالنزاع المدني لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة جزائية، بل يتوقف الأمر على الوقائع والعناصر التي يتطلبها النص القانوني.

لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس ما إذا كانت القضية تنطوي على خداع بالمعنى العام، بل ما إذا كانت الوقائع تشكل جريمة محددة مستثناة من العفو وفقًا للقانون.

خامسًا: الإفلاس الاحتيالي والجرائم المصرفية... متى يتجاوز الملف حدود النزاع الخاص؟

لم يضع القانون الإفلاس الاحتيالي ضمن الجرائم التي يتوقف استثناؤها على تكرار الملاحقات أو الأحكام، بل أدرجه صراحةً في البند الثامن من المادة الثانية، إلى جانب جرائم التزوير وتقليد النقد والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وسائر القوانين والأنظمة المتعلقة بالمصارف.

ويكشف هذا الاختيار عن تمييز بين السرقة التي قد تقع على مال خاص، وبين جرائم محددة تتصل بسلامة المعاملات المالية أو النظام المصرفي أو الثقة في النقد والمستندات.

لكن لا ينبغي توسيع هذا الحكم إلى كل حالة إفلاس أو تعثر مالي. فالتعثر في سداد الديون، أو توقف شركة عن الدفع، لا يثبت وحده وقوع إفلاس احتيالي. يجب أن تنطبق عناصر الجريمة التي يحددها القانون على الوقائع المعروضة.

والأمر نفسه ينطبق على الجرائم المصرفية. فالنزاع بين عميل ومصرف، أو الخلاف حول تنفيذ التزام تعاقدي، لا يشكل تلقائيًا جريمة منصوصًا عليها في قانون النقد والتسليف أو غيره من القوانين المصرفية.

وفي المقابل، إذا كانت الوقائع تندرج فعلًا ضمن جريمة مستثناة بموجب هذه النصوص، فلا يصح التعامل معها باعتبارها مجرد نزاع مالي خاص، ولا افتراض استفادتها من العفو من دون فحص الاستثناء المنطبق عليها.

سادسًا: هل يؤدي استثناء الجريمة من العفو إلى استرداد الأموال تلقائيًا؟

لا. فاستثناء جريمة من العفو يعني أن العفو لا يشملها ضمن الحدود التي حددها القانون، لكنه لا يشكل بحد ذاته حكمًا نهائيًا بإدانة المتهم، ولا يحدد تلقائيًا من يملك الأموال محل النزاع، ولا يضمن استردادها.

في قضايا السرقة أو التزوير أو الاحتيال، تبقى المسائل المتعلقة بإثبات الجريمة والمسؤولية والضرر والحقوق المالية خاضعة للإجراءات والقواعد القانونية ذات الصلة.

ويجب كذلك الفصل بين الملاحقة الجزائية والمطالبة المدنية. فقد يكون للمتضرر حق في المطالبة بالتعويض أو استرداد مال، لكن تحديد هذا الحق يتوقف على الأساس القانوني للمطالبة، والأدلة، والمرجع القضائي المختص.

أما عندما يتعلق الملف بالمال العام أو بأموال المؤسسات المالية والمصرفية أو بجرائم الفساد، فتظهر أيضًا أهمية الأحكام التي أكدها المجلس الدستوري بشأن عدم حصر جرائم الفساد المستثناة بما ورد في البندين التاسع والعاشر من المادة الثانية، وبشأن عدم منع العفو تحصيل حقوق الدولة أو اتخاذ إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد.

لكن هذه الأحكام لا تعني أن كل نزاع مالي يُصنّف فسادًا، ولا أن استرداد الأموال يتم تلقائيًا بمجرد وجود اتهام. بل يجب تحديد الجريمة، والأساس القانوني للاسترداد أو المصادرة، والجهة التي تملك الحق في المطالبة.

التكييف القانوني هو الذي يحدد نطاق العفو

تكشف قراءة المادة الثانية من قانون العفو العام رقم 70 وقرار المجلس الدستوري رقم 12 أن الجرائم الواقعة على الأموال لا تخضع لحكم واحد.

فالسرقة قد تكون مشمولة بالعفو إذا لم ينطبق عليها استثناء آخر ولم تتحقق شروط الاستثناء الخاص بتكرار الملاحقات أو الأحكام. أما السرقة التي تتصل بالمال العام أو بأموال المؤسسات المالية والمصرفية، فقد تدخل ضمن استثناءات مستقلة تتعلق بطبيعة الأموال أو بالجريمة المحددة.

وفي التزوير، حسم المجلس الدستوري المسألة بوضوح: الاستثناء يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات. أما الاحتيال، فلا يجوز اعتباره مستثنى على إطلاقه لمجرد هذا الوصف، مع بقاء الإفلاس الاحتيالي والجرائم المالية الأخرى المحددة في القانون خارج نطاق العفو وفق شروط النصوص المنطبقة عليها.

لذلك، لا تكفي تسمية الجريمة لتحديد مصير الملاحقة. المطلوب هو تحديد عناصر الفعل، والوصف القانوني المعتمد، وطبيعة الأموال المعنية، وما إذا كان هناك نص يستثني الجريمة من العفو.

وفي هذا الإطار، يؤدي قرار المجلس الدستوري دورًا حاسمًا في منع تضييق استثناء التزوير من جهة، ومنع توسيع الاستثناءات إلى ما لم ينص عليه القانون من جهة أخرى. وهذه هي المقاربة التي توازن بين تطبيق العفو ضمن حدوده، واحترام مبدأ الشرعية، وعدم الخلط بين الاتهام والإدانة أو بين سقوط الملاحقة واسترداد الأموال.

*المرتكزات القانونية للمقال

• المادة الثانية، ولا سيما البنود 7 و8 و9 و10 و13، من قانون العفو العام رقم 70 الصادر في 4 أيلول2026 . الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان-لبنان

• قرار المجلس الدستوري رقم 12/2026، الذي أكد أن استثناء جرائم التزوير يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات.