من الطبيعي أن يُطلّ أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم من وقت لآخر بتصاريح تهدف إلى رفع معنويات محازبيه وجمهوره ومحاولة طمأنتهم. لكن توقيت إطلالته الأخيرة، التي حملت رفعًا لمستوى التحدي الكلامي، جاء في الوقت الذي تعيش فيه المنطقة حالة دقيقة من الغليان الشديد، والذي من المرتقب أن ينفجر حربًا شاملة وواسعة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ما لم ترضخ إيران لمتطلبات التسوية التي تعمل عليها حاليًا بعض الجهات الإقليمية والدولية. ماذا في التفاصيل؟
وجّه أمين عام "حزب الله" رسالة شديدة إلى الداخل والخارج مفادها أن "المقاومة مستمرة بشرعية حق المقاومة وما كفله دستور الطائف، وستواجه العدوان عليها وعلى لبنان، ولا محلّ للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجودًا وعدوانه مستمر". وكذلك بأنه "لا شرعية لاتفاق الإطار، لمخالفته للدستور والطائف والقوانين وخطاب القسم الرئاسي وبيان الحكومة، وهو بحكم معدوم الوجود". مبديًا التقدير والامتنان لما وصفه بتضحية إيران، ومعوّلًا على "مذكرة إسلام آباد" لحماية لبنان، وواصفًا التطورات بأنها "صورة من صور الهزيمة" لكل من إسرائيل وأميركا...
في غضون ذلك، أجمعت كل التقارير على أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية سترفع بالتأكيد من احتمال اندفاع تل أبيب نحو حرب ثالثة ضد إيران، على أن يتأكد هذا التوجه مع ظهور نتائج الانتخابات الأميركية النصفية في الثالث من الشهر المقبل. وبحسب الكثير من المحللين السياسيين، فإن رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو سيهرب إلى الأمام، عبر توريط الجيش الإسرائيلي في حرب جديدة ضد "الحرس الثوري الإيراني"، بغض النظر عن التفاصيل النهائية لنتائج انتخابات الكنيست. فالحرب تجعل كل الخلافات السياسية والصراعات على الأحجام والمناصب ثانوية، وتدفع بالجماعات الإسرائيلية كلها للتوحد تحت راية الدفاع عن إسرائيل. والمفارقة أن نتنياهو قادر على اتخاذ قرار الحرب، إن جرى تكليفه مجددًا بتشكيل حكومة جديدة، أم لم يتم ذلك! فالفترة الانتقالية التي سيبقى فيها صاحب سلطة القرار العليا أكثر من كافية لتفجير الوضع العسكري في الشرق الأوسط برمّته، ولتغيير الأولويات كليًا في الداخل الإسرائيلي. والاحتقان الإقليمي بلغ درجة صار معها بإمكان أي حادث صغير، مثل استهداف سفينة الشحن الإسرائيلية في البحر الأسود الخميس على سبيل المثال لا الحصر، أن يمثل شرارة اندلاع الحرب!
وكما أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية جاءت رمادية بالنسبة إلى الجهات الحزبية الأساسية المتنافسة، بغض النظر عن التقدم المحقق من جانب القوائم العربية، والذي لا يمكن لأي من الزعامات الإسرائيلية المتنافسة التعويل عليه للتفوق على خصومه بسبب رفض البيئة اليهودية لأي توجه من هذا النوع، فإنه من المتوقع ألا تكون نتائج الانتخابات الأميركية النصفية المرتقبة أفضل حالًا. فحتى لو خسر الحزب الجمهوري أمام الديمقراطيين، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب باقية في الحكم حتى 20 كانون الثاني 2029، بموازاة تمتعها بسلطات تخولها شن الحروب حتى لو كان الديمقراطيون يسيطرون على الكونغرس. وبمجرد طي صفحة الانتخابات النصفية يوم الثلاثاء المقبل، سيكون ترامب في منأى عن أي ضغط. وبحسب المراقبين، سيتجه إلى تفجير الوضع عسكريًا مع إيران لتحوير الاهتمام عن نتائج الانتخابات التي من غير المرجح أن تكون في صالحه بالإجمال. ومن شأن أي حرب أميركية جديدة على إيران أن تحاول تغيير المعادلة القائمة حاليًا، بحيث تُضطر طهران إلى وقف هجماتها على السفن في مضيق هرمز، وتعود بالتالي أسعار المشتقات النفطية إلى الانخفاض بشكل كبير، بعد ارتفاعها المرتقب في خضم مرحلة المواجهة. فالمعادلة المقبلة أمام واشنطن اعتبارًا من الأسبوع المقبل، هي: اتفاق سريع مع إيران ينهي الأزمة، أو حرب شديدة القسوة لفرض هذا الأمر بالقوة! ويمكن اعتبار الحركة التفاوضية القائمة في المنطقة راهنًا بمثابة الفرصة الأخيرة قبل الانفجار العسكري الواسع والمدمر.
وانطلاقًا مما سبق، فإن التوقعات تجمع على أن مصلحة كل من ترامب ونتنياهو تكمن في التوجه إلى الحرب، في ظل تهديدات من طهران بضرب كل دول المنطقة ومصالحها، في حال تعرضت لحرب ثالثة، وفي ظل تهديدات من إسرائيل للبنان بأن الرد على أي تدخل عسكري من جانب "حزب الله" سيكون مدمرًا! في المقابل، وبدلًا من أن يبذل لبنان الرسمي جهودًا دبلوماسية على أعلى المستويات، ويقوم بحركة اتصالات سياسية داخلية مكثفة، ويفرض تدابير أمنية ميدانية لضبط الوضع في مناطق الاحتكاك، بغرض تجنيب الشعب اللبناني ارتدادات مواجهة إضافية تضيف إلى مآسيه المتراكمة المزيد من الضحايا والدمار والتهجير، ها هو الشعب اللبناني متروك لمصيره، لجهة ما ستقرره كل من واشنطن وتل أبيب وطهران، تبعًا لمصالحهما!
في الخلاصة، صحيح أن قوات الاحتلال الإسرائيلي لا تحتاج لأي ذرائع لشن حرب جديدة ضد لبنان عمومًا، لكن الأصح أنه كان الأجدر بالسلطة أن تعمل على تأمين شبكة أمان دولية تحمي اللبنانيين من أي اعتداءات. وكان الأجدر بقيادة "حزب الله" أن تعلن جهارًا أنها لا تنوي الدخول في أي مواجهة مع قوات الاحتلال في المرحلة الحالية، مهما كانت التطورات الإقليمية، بدلًا من أن تختار أسوأ توقيت لإطلاق التحديات وتعريض الشعب اللبناني لمخاطر مغامرة عسكرية فاشلة أخرى!