رغم الظروف السياسية والأمنية الدقيقة والخطيرة التي يمر بها لبنان عقب انتخابات الكنيست الإسرائيلي وانتظار الانتخابات النصفية في الكونغرس الأميركي، والمخاوف من شن عدوان جديد على إيران وتداعياته على المنطقة، تعود قضية المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى واجهة النقاش السياسي والوطني. مع إطلاق رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام منذ أيام مسار المشاورات حول "الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان"، التي أعدّتها لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني برئاسة السفير رامز دمشقية.
وتهدف الخطة إلى تنظيم الواقع الأمني والإداري والخدماتي في 12 مخيمًا رسميًا في لبنان، وتستمر المشاورات بشأنها لمدة 6 أشهر قبل رفع صيغتها النهائية إلى مجلس الوزراء. وأبرز مرتكزاتها ومحاورها:
السيادة والأمن والقانون: التأكيد على أن المخيمات تقع ضمن السيادة اللبنانية وتخضع للقانون اللبناني. وربط الحوكمة بوثيقة الوفاق الوطني وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. واقتراح تسليم السلاح تدريجيًا إلى الجيش اللبناني، وإنشاء مخافر لقوى الأمن الداخلي وفق مفهوم "الشرطة المجتمعية"، وتفعيل سلطة القضاء.
الحقوق والخدمات والتنمية الإنسانية: إعداد مشروع قانون شامل لتنظيم حقوق اللاجئين الفلسطينيين وواجباتهم، بما يشمل مسائل العمل والضمان الاجتماعي لتأمين حياة كريمة. واعتماد بطاقة هوية رقمية ومعالجة أوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية، وإجراء مسوح عمرانية واجتماعية واقتصادية. والتمسك بحق العودة (وفق القرار الأممي 194) ورفض التوطين بشكل قاطع، مع استمرار مسؤولية وكالة الأونروا والمجتمع الدولي في تقديم الخدمات دون أن تحل الدولة اللبنانية محلها.
الإدارة والحوكمة المؤسساتية: إنشاء هيئة لإدارة المخيمات لتنظيم الأدوار بين مؤسسات الدولة، والجهات الفلسطينية (الفصائل واللجان الشعبية والمجتمع المحلي)، ووكالة الأونروا. واعتماد مقاربة تشاركية عبر الاستماع لجميع الأطراف المعنية وتطبيق الخطة تدريجيًا عبر نموذج مصغر قبل التوسيع.
الرؤية الفلسطينية
في المقابل الفلسطيني، تأتي الخطوة استكمالًا لزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان في أيار الماضي، والاتفاق مع الرئيس اللبناني جوزاف عون حول تسليم سلاح المخيمات في إطار خطة الدولة لحصرية السلاح في لبنان. ولمساعي نجله عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ياسر عباس في تعزيز التعاون والتنسيق الثنائي. يُفترض أن تفتح صفحة جديدة في تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين، على قاعدة الاحترام المتبادل، وصون السيادة، وتعزيز الاستقرار، ومعالجة القضايا العالقة التي أثقلت حياة اللاجئين على مدى عقود.
غير أن هذا المسار، بما يحمله من عناوين إدارية وأمنية وتنظيمية، يثير تساؤلات مشروعة حول مضمونه وأهدافه وحدود مقاربته، وما إذا كان سيشكّل مدخلًا حقيقيًا لمعالجة شاملة لأوضاع المخيمات، أم سيعيد إنتاج مقاربات سابقة اختزلت الوجود الفلسطيني في هواجس الأمن والسلاح، وأبقت حقوق الإنسان الفلسطيني خارج دائرة المعالجة الجدية.
وأكدت مصادر فلسطينية لـ"النشرة" أن المخيمات ليست مجرد جغرافيا تحتاج إلى إدارة، ولا تجمعات سكانية تُقاس أوضاعها بمقدار ما تفرضه من تحديات أمنية. إنها حكاية لجوء ممتدة منذ النكبة، وذاكرة وطنية حية، ومساحة إنسانية يعيش فيها أجيال من الفلسطينيين الذين لم يتخلوا عن هويتهم وحقهم في العودة. ومن هنا، فإن أي مشروع لحوكمتها لا يمكن أن يكتسب مشروعيته أو يحقق أهدافه ما لم ينطلق من الإنسان الفلسطيني وكرامته وحقوقه، ويضع حدًا لاستمرار حرمانه من حقوق أساسية في العمل والتملك والحماية القانونية، بدلًا من أن يُطلب منه الالتزام بالواجبات وحدها، فيما تبقى حقوقه معلقة على حسابات السياسة والاقتصاد ومخاوف التوطين.
وأوضحت أن تنظيم العلاقة اللبنانية–الفلسطينية ضرورة ومصلحة مشتركة، ولا يتعارض احترام سيادة الدولة اللبنانية وتطبيق قوانينها مع الاعتراف بالحقوق الإنسانية والاجتماعية للاجئين. كما أن تحسين شروط حياتهم لا يعني التوطين، ولا ينتقص من حقهم في العودة إلى وطنهم فلسطين. فبين السيادة والكرامة لا ينبغي أن يكون هناك تناقض، وبين الأمن والعدالة لا يجوز أن تكون المفاضلة على حساب الإنسان.
وشددت على أن المطلوب حوكمة تنظم الواقع ولا تعاقب ضحاياه، وتعزز الشراكة ولا تفرض الوصاية، وتفتح آفاق الحياة الكريمة أمام اللاجئين، دون المساس بهويتهم الوطنية أو تحويل المخيمات إلى ملف أمني منفصل عن سياقه السياسي والإنساني. فالمخيم الذي ينتظر الأمن والكرامة والعدالة لا يحتاج إلى إدارة أزمته فحسب، بل إلى إرادة سياسية تنهي أسباب استمرارها.
وأكد السفير الفلسطيني في لبنان الدكتور محمد الأسعد أن حوكمة المخيمات تأتي في إطار تعزيز العلاقات الفلسطينية–اللبنانية، وتنفيذ مخرجات القمة بين الرئيسين عباس وعون، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بما فيها المخيمات، مع الاستفادة من الطاقات الفلسطينية لدعم الاقتصاد اللبناني، وتحقيق حياة كريمة للاجئين.
وشدد على أن حوكمة المخيمات تهدف إلى تنظيم واقع اللجوء الاستثنائي، بما يحفظ الأمن والكرامة والحقوق الإنسانية والاجتماعية للاجئين، دون تكريس اللجوء أو التوطين. كما أكد التمسك بالأونروا بوصفها شاهدًا على النكبة وحق العودة، داعيًا إلى تمويلها المستدام وصون حيادها ومنشآتها.
واعتبر عضو المكتب السياسي ومسؤول الجبهة الديمقراطية في لبنان يوسف أحمد أن حوكمة المخيمات يجب أن تستند إلى مقاربة شاملة تتجاوز الأبعاد الإدارية والأمنية، وتعالج القضايا الوطنية والقانونية والاجتماعية والإنسانية للاجئين، بما يعزز صمودهم ويحفظ هويتهم وكرامتهم وحقوقهم، وفي مقدمتها حق العودة، ويرفض التوطين والتهجير، مع احترام سيادة لبنان وأمنه واستقراره.
ورأى عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية مروان عبد العال أن حوكمة المخيمات الفلسطينية لا يجوز اختزالها في الأمن وحصرية السلاح، بل يجب أن تنطلق من مسؤولية الدولة اللبنانية تجاه اللاجئين، بما يضمن حقوقهم الإنسانية والقانونية، ويحفظ كرامتهم وهويتهم الوطنية وحقهم في العودة، دون تحميلهم مسؤولية أزمات لبنان أو ربط حقوقهم بالخوف من التوطين.
























































