لا شك أن الزيارة التي يقوم بها وفد وزاري لبناني موسّع إلى دمشق مهمة جدًا على مستوى تفعيل قنوات التواصل بين البلدين. فهذه القنوات لم تكن مقطوعة بالكامل، لكن التحدي هو في الانتقال من التفاهمات السياسية العامة إلى معالجة الملفات التي تتطلب قرارات وإجراءات مشتركة.
الجانبان يدركان أن استمرار إدارة هذه الملفات بالطريقة السابقة لم يعد ممكنًا في ظل الحاجة المتبادلة إلى التعاون. ولكن هذا لا يعني بالضرورة وجود توافق على الأولويات أو على كيفية معالجة القضايا الحساسة.
ويعكس تشكيل الوفد اللبناني، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري وعضوية وزراء العمل محمد حيدر، والتربية ريما كرامي، والشؤون الاجتماعية حنين السيد، وغياب وزير الداخلية بسبب ارتباط نظيره بظرف طارئ، طبيعة المرحلة التي يُفترض أن تدخلها العلاقات الثنائية. فالمطلوب، بحسب مصادر سياسية مطلعة، البحث في قضايا الوجود السوري في لبنان، وتنظيم العمالة، والتعليم، والأوراق الثبوتية، والحدود، والتعاون الأمني، إلى جانب الملفات القضائية العالقة.
بالنسبة إلى لبنان، تتقدم مسألة تنظيم الوجود السوري على غيرها من الملفات، تقول المصادر عبر "النشرة"، نظرًا إلى انعكاساتها على المؤسسات والخدمات وسوق العمل والأمن. مشيرة إلى أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات اللبنانية، إذ تحتاج بيروت إلى تعاون دمشق في التحقق من الهويات، وتسوية الأوضاع القانونية، وتسهيل العودة إلى المناطق التي تسمح ظروفها بذلك. كما أن نجاح أي خطة للعودة يرتبط بالقدرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار والخدمات وفرص العيش داخل سوريا، وهي مسائل تتجاوز قدرة الحكومتين وحدهما وتحتاج إلى دعم دولي.
أما دمشق، فلديها حسابات مختلفة بحسب المصادر. فالسلطة السورية الجديدة تريد تثبيت علاقات رسمية مستقرة مع لبنان، وتنظيم شؤون مواطنيها الموجودين فيه، وضبط الحدود بما يساعدها على تعزيز سلطتها الأمنية والإدارية. كذلك تحتاج إلى تعاون لبناني في مكافحة التهريب والجريمة المنظمة، ومعالجة أوضاع الموقوفين السوريين.
وتكشف المصادر أن التحدي الأكبر يكمن في الملفات الأمنية. فلبنان يريد حدودًا أكثر انضباطًا وتعاونًا في ملاحقة المطلوبين ومنع التهريب، فيما تسعى دمشق إلى منع استخدام الأراضي اللبنانية في أي نشاط يهدد أمنها. لكن الوصول إلى تفاهمات عملية يتطلب تحديد آليات تبادل المعلومات، وصلاحيات الأجهزة المعنية، وكيفية التعامل مع المطلوبين، بعيدًا عن الاتهامات المتبادلة.
ويبرز أيضًا ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية. فالمعالجة هنا ترتبط بالتمييز بين الحالات القضائية المختلفة، واحترام الإجراءات القانونية، والبحث في إمكان تطبيق اتفاقات أو ترتيبات خاصة. ولذلك قد يكون التقدم في هذا الملف أبطأ من الملفات الإدارية، خصوصًا إذا جرى ربطه بالخلافات السياسية أو الأمنية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن العلاقات اللبنانية–السورية تتأثر أيضًا بالتوازنات الإقليمية. فدمشق تسعى إلى تثبيت موقعها في علاقاتها العربية والدولية. ومن هنا، فإن نجاح الفريقين في فصل الملفات العملية عن الخلافات الإقليمية سيكون عاملًا أساسيًا في تحديد نتائج الزيارة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المحادثات قد تمهد لزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق لاحقًا، بما يسمح بنقل التفاهمات الوزارية إلى مستوى سياسي أعلى. لكن هذه الخطوة تبقى مرتبطة بما سيتحقق في الاجتماعات الحالية، ولا سيما الاتفاق على آليات متابعة واضحة.
























































