في وقت تتواصل فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتتزايد المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، تثير التقلبات الأخيرة في أسعار الذهب تساؤلات حول العوامل التي تتحكم بحركة المعدن الأصفر، ومدى قدرته على الاحتفاظ بمكانته كملاذ آمن في أوقات الأزمات. وبين ضغوط الدولار الأميركي والسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي وتحركات المستثمرين، تبرز انعكاسات هذه التطورات على المدخرين اللبنانيين الذين لجأ قسم كبير منهم إلى الذهب لحماية أموالهم بعد الأزمة المصرفية.
الدولار والفائدة يتقدمان على المخاطر
يرى الخبير الاقتصادي ميشال فياض أن التراجع الأخير في أسعار الذهب يرتبط بصورة أساسية بعوامل نقدية وأخرى متصلة بالسيولة، طغت في المرحلة الراهنة على تأثير المخاطر الجيوسياسية.
ويوضح عبر "النشرة" أن توقعات ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، إلى جانب القوة النسبية للدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، تجعل الذهب أقل جاذبية للمستثمرين، باعتباره أصلًا لا يدر فوائد أو عوائد دورية.
ويشير إلى أن موجة بيع أسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وما رافقها من عمليات تصفية قسرية للمراكز الاستثمارية، إضافة إلى خروج الأموال من صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب وعمليات بيع بهدف تأمين السيولة، ساهمت في تعميق الضغوط على الأسعار.
أما التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، فيعتبر فياض أن تأثيرها بات مزدوجًا، إذ تدعم الذهب نظريًا كملاذ آمن، لكنها قد تؤدي في المقابل إلى ارتفاع التضخم وتعزيز توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية. وبالتالي، فإن السيولة وقوة الدولار وأسعار الفائدة الأميركية باتت، وفق تحليله، أكثر تأثيرًا في حركة الذهب على المدى القصير من المخاطر السياسية وحدها.
الاحتياطي الفيدرالي والانتخابات الأميركية
وفي ما يتعلق بالعوامل التي قد تحدد اتجاه الذهب خلال المرحلة المقبلة، يلفت فياض إلى أن الانتخابات النصفية الأميركية والقرارات المرتقبة للاحتياطي الفيدرالي قد تؤثر في حركة الأسعار.
فالانتخابات قد تخلق حالة من عدم اليقين السياسي والمالي، ما يعزز الطلب على الذهب في حال تصاعد المخاوف من عدم الاستقرار. غير أن العامل الأكثر حسمًا يبقى، بحسب فياض، توجه السياسة النقدية الأميركية.
ويوضح أن بيانات التضخم والتوظيف الأميركية، إلى جانب القرارات المقبلة للاحتياطي الفيدرالي، ستحدد إلى حد كبير اتجاه السوق. فإذا استمرت سياسة إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، فقد تتواصل الضغوط على الذهب، في حين أن أي توجه نحو تيسير السياسة النقدية أو ظهور مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد قد يدعم انتعاش الأسعار.
المصارف المركزية تدعم الذهب
ورغم التراجع، يؤكد فياض أن مشتريات المصارف المركزية لا تزال تشكل دعامة أساسية لسوق الذهب، خصوصًا مع استمرار دول مثل الصين وبولندا وأوزبكستان وكازاخستان في تنويع احتياطاتها عبر زيادة حيازاتها من المعدن الأصفر.
إلا أنه يميز بين الدعم الهيكلي الذي توفره المصارف المركزية وتأثير المستثمرين على المدى القصير، موضحًا أن تدفقات صناديق الاستثمار وصناديق التحوط والمضاربات المالية هي التي تقود التحركات الحادة في الأسعار.
ويشير إلى أن مشتريات المصارف المركزية قد تحدّ من مخاطر التراجع على المدى الطويل، لكنها لا تستطيع منع الانخفاضات الحادة عندما تتعرض الأسواق لضغوط نقدية وعمليات بيع واسعة.
إلى أين تتجه أسعار الذهب؟
وعن السيناريوهات المحتملة، يعرض فياض ثلاثة مسارات رئيسية، انطلاقًا من توقعات عدد من المؤسسات المالية.
ويتمثل السيناريو الأساسي في مرحلة من الاستقرار النسبي ضمن نطاق يتراوح بين 3800 و4200 دولار للأونصة حتى نهاية عام 2026، قبل تعافٍ تدريجي محتمل نحو مستويات تتراوح بين 4500 و5000 دولار خلال عام 2027، في حال تراجعت أسعار الفائدة الحقيقية واستمرت التوترات الجيوسياسية والمالية.
أما السيناريو الهبوطي، فيفترض تراجع الأسعار نحو 3400 إلى 3600 دولار إذا واصل الاحتياطي الفيدرالي تشديد سياسته النقدية وتعزز الدولار.
وفي المقابل، قد يشهد الذهب انتعاشًا سريعًا يتجاوز 4500 دولار في حال اتجهت السياسة النقدية نحو التيسير أو وقع تصعيد جيوسياسي كبير.
وفي هذا السياق، يبقى اتجاه أسعار الذهب خلال الأشهر المقبلة مرتبطًا بحركة الدولار الأميركي وعوائد سندات الخزانة وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب تدفقات الأموال إلى صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب. كما أن استمرار مشتريات المصارف المركزية قد يوفر دعمًا للأسعار على المدى الطويل، من دون أن يمنع تسجيل تراجعات حادة خلال فترات الضغوط النقدية.
السوق اللبنانية بين فرص الشراء ومخاوف الخسارة
وفي السياق اللبناني، تطرح تقلبات أسعار الذهب تحديًا إضافيًا أمام المدخرين الذين لجأوا إلى المعدن الأصفر بعد الأزمة المصرفية. إذ إن انخفاض الأسعار لا يعني بالضرورة تراجع الإقبال على الشراء، بل قد يدفع بعضهم إلى الاستفادة من المستويات المنخفضة، فيما يفضل آخرون التريث خشية استمرار الهبوط.
ويبرز هنا تحدٍّ أساسي يتمثل في قدرة المدخر على تحمل تقلبات الأسعار من دون الاضطرار إلى بيع الذهب عند الحاجة إلى السيولة، خصوصًا في ظل استمرار الضغوط المعيشية والاقتصادية. فالشراء عند انخفاض الأسعار قد يشكل فرصة على المدى الطويل، لكنه لا يلغي احتمال تسجيل خسائر إضافية إذا استمر الاتجاه الهبوطي.
الذهب ومدخرات اللبنانيين: حماية أم مضاربة؟
في لبنان، يكتسب تراجع أسعار الذهب أهمية خاصة بعدما اتجه عدد كبير من المواطنين إلى اقتنائه لحماية مدخراتهم خارج النظام المصرفي، على خلفية الأزمة المالية وفقدان الثقة بالمصارف.
ويعتبر فياض أن الذهب يشكل وسيلة للحفاظ على القدرة الشرائية على المدى الطويل، وليس استثمارًا يهدف إلى تحقيق عائد دوري، مشددًا على ضرورة التمييز بين الاحتفاظ به كوسيلة ادخار والمضاربة على تقلبات أسعاره.
فالاحتفاظ بالسبائك والقطع النقدية الذهبية لسنوات يهدف إلى الحد من تأثير التضخم وتراجع قيمة العملة والمخاطر المالية، بينما تنطوي المضاربة عبر الشراء والبيع المتكرر على مخاطر مرتفعة، خصوصًا في فترات التقلبات الحادة.
وينصح فياض المدخرين اللبنانيين بإعطاء الأولوية للذهب المادي المضمون، مع الاحتفاظ بفواتير الشراء، والتعامل معه باعتباره وسيلة لحماية المدخرات وليس أداة لتحقيق أرباح سريعة.
ولا يستبعد أن يشكل انخفاض الأسعار فرصة للشراء التدريجي بالنسبة إلى أصحاب الأفق الاستثماري الطويل، شرط عدم تخصيص أموال قد يحتاجون إليها لتغطية نفقاتهم والتزاماتهم الأساسية.
وبين ضغوط الدولار والفائدة الأميركية واستمرار التوترات الدولية، يبقى الذهب عرضة لتقلبات قد تكون حادة على المدى القصير. أما بالنسبة إلى اللبنانيين، فتتجاوز المسألة البحث عن الأرباح لتطرح سؤالًا أكثر أهمية: كيف يمكن حماية ما تبقى من المدخرات من دون تحويل وسيلة الأمان إلى مصدر جديد للمخاطر؟























































