تُجمع تقارير الرصد الإعلامي والمعلومات الأمنية المسربة على أن كلاً من الجيش الإسرائيلي و"حزب الله" استكملا مجموعة من الاستعدادات العسكرية تحضيرًا لأي مواجهة مقبلة شاملة محتملة! ماذا في التفاصيل؟
بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي أجرى نهاية الشهر الماضي مناورة عسكرية في المنطقة الشمالية والوسطى، فهو يواصل حاليًا مناورة عسكرية عامة وجديدة ترمي إلى اختبار الجاهزية لحالات الطوارئ المتزامنة على جبهات عدة، ومن المقرر أن تنتهي يوم الأحد المقبل. وفي ما خص المنطقة الجنوبية المحتلة بالتحديد، استكملت الوحدات الإسرائيلية في الماضي القريب أعمال تدعيم المواقع العسكرية المستحدثة، وقامت بتحصين مراكز ونقاط المراقبة والسيطرة بالنيران، وتزويدها بالمعدات القتالية والتجهيزات اللوجستية اللازمة. إلى ذلك، عمدت قوات الاحتلال إلى شق وتحسين سلسلة من الطرق والمسارات الرملية التي تستعملها للتحرك في الجنوب اللبناني، بعيدًا عن مجال رؤية مقاتلي "الحزب" من حاملي الصواريخ المضادة للدروع. وواصل الجيش الإسرائيلي الطلعات الجوية المخصصة للرصد والاستطلاع وتحديد الأهداف، ليس في الجنوب فحسب، بل على كامل الخريطة اللبنانية.
والأخطر مما سبق، أكدت المعلومات الأمنية أن القوات الإسرائيلية بصدد الانتهاء تمامًا من نشر منظومة ليزر تكتيكية جديدة على الحدود الشمالية، وذلك بهدف سد الثغرات الدفاعية، خصوصًا لناحية مواجهة مسيّرات "حزب الله" الانقضاضية وصغيرة الحجم، وخصوصًا تلك العاملة بتقنية الألياف الضوئية التي كانت فشلت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي في اعتراضها بفعالية في معارك سابقة. يُذكر أن الجيش الإسرائيلي استكمل في الماضي القريب، وبالتعاون مع وزارة الدفاع وشركة "رافائيل"، سلسلة من الاختبارات المتقدمة والحاسمة لدمج منظومة الدفاعات العاملة بطاقة عالية من أشعة الليزر باسم "الشعاع الحديدي" (Iron Beam) مع مركز التحكم والقيادة لمنظومة "القبة الحديدية" (Iron Dome). وتضمنت الاختبارات الأخيرة محاكاة سيناريوهات معقدة شملت إطلاق رشقات صواريخ وقذائف مختلفة وأسراب من الطائرات المسيّرة في آن واحد؛ حيث يقوم النظام الهجين باتخاذ قرار آلي وفوري بتحديد التهديدات وتجزئتها تبعًا لطبيعتها، فيعترض الليزر الأهداف القريبة والمنخفضة التكلفة (مثل المسيّرات)، بينما تتدخل صواريخ القبة الحديدية من طراز "تامير" (Tamir)، والتي يتراوح مداها بين 4 و70 كيلومترًا، لاعتراض الأهداف الأبعد مدى أو عند العمل في ظروف جوية سيئة، مثل تكوّن الضباب وهطول الأمطار بكثافة بشكل يعوق شعاع الليزر.
وبحسب الكثير من المحللين العسكريين، فإن كل هذه التدابير تؤشر إلى الاستعداد للبقاء خلال فصل الشتاء داخل مواقع محمية ومجهزة، في حين تدل خطوة استبدال الوحدات العسكرية العاملة في الجنوب بأخرى جديدة، والتي نُفذت في الأسابيع القليلة الماضية، على النية بتنظيم انتشار طويل الأمد. وفي هذا السياق، جرى نشر الفرقتين 36 و91 في كل من الجولان السوري وجنوب لبنان المحتلين، ووضعهما في حالة تأهب عملياتي مرتفعة، مع تدعيم بعض المواقع بوحدات قتالية من لواء "غولاني".
بالانتقال إلى "حزب الله"، وفي ظل التقارير الإعلامية عن تلقيه مساعدات مالية كبيرة من إيران للإيواء ومساعدة العائلات النازحة، ولإعادة ترميم قدراته العسكرية، أجمعت معلومات متطابقة من جانب مصادر مؤيدة له وأخرى مناهضة، على أنه أعاد ترميم الهياكل التنظيمية لفرق القيادة والسيطرة، بموازاة الحرص على استعادة القدرة على التنسيق بين التشكيلات العسكرية المختلفة المنتشرة على الأرض، وتمكن خصوصًا من تأمين تعافي الوحدات القتالية العملياتية التي تضررت خلال المواجهات السابقة. وفي المعلومات المسربة أيضًا أن "الحزب" أعاد توزيع عناصر مدرّبة تدريبًا جزئيًا وغير متمرسة في خوض المعارك الحقيقية، على وحدات قتالية تتمتع بخبرات قتالية مهمة نتيجة مشاركتها في حروب سابقة ضد الإسرائيليين في الجنوب، وضد الجماعات المسلحة في سوريا، ولكنها تعاني من نقص كبير في العدد بفعل حربي الإسناد الأخيرتين. وبالتالي، صارت هذه الفرق العسكرية جاهزة من جديد، على صعيدي العدة والعدد، لخوض الحروب بعد تطعيمها بدم شبابي جديد –إذا جاز التعبير– وبخبرات عناصر متمرسة في المعارك الميدانية.
وعلى خط موازٍ، بذل "حزب الله" خلال الأشهر الماضية جهودًا كبيرة لتعويض جزء من مخزونه الصاروخي الذي كان قد تعرض للاستنزاف والتدمير خلال المواجهات السابقة، مع السعي للمحافظة على قدرات صاروخية متنوعة المدى، ولإعادة تأمين مخزون مناسب من الذخائر والمتفجرات. وسعى أيضًا لإنتاج وتجميع المسيّرات الهجومية والانقضاضية، وتأمين رؤوس متفجرة مخصصة لهذا النوع من الطائرات من دون طيار. كما أُعيد تنظيم فرق الدفاع الصاروخي المزودة بمجموعة منوعة من الصواريخ المضادة للدروع، وتأمين جاهزيتها لوجستيًا للانتشار بسرعة في أي مواقع جغرافية قد تتعرض لهجمات إسرائيلية جديدة. إلى ذلك، وبحسب تقارير استخبارية إسرائيلية، فإن "الحزب" تمكن أيضًا من إعادة تنظيم مواقعه الخلفية وإعادة تأهيل الفرق العسكرية العاملة فيها، في مواقع بعيدة جدًا عن جبهات الجنوب، ولا تقتصر على منطقة العمليات الحدودية.
في الخلاصة، لم تكتفِ إسرائيل بما حققته ميدانيًا على الأرض حتى تاريخه، وهي تعمل بجهد على تحضير العدة لاستكمال حرب إضعاف تهديدات "حزب الله". وهذا الأخير لم يقتنع بعد بأن كلفة قتاله، عليه وعلى بيئته الحاضنة وعلى لبنان عمومًا، أعلى من كلفة وقف العمليات العسكرية كليًا، ويقوم بدوره بجهود حثيثة لإعادة تجميع ما تبقى له من إمكانات قتالية، ولتطويرها على صعيدي العدد والعتاد. وفي ظل ارتفاع منسوب التهديدات، الأكيد أن جولة أخرى من المعارك الضارية بين الفريقين تلوح في الأفق، علمًا أن توقيتها قد يكون عاجلًا في حال تفجّر الوضع مجددًا في منطقة الشرق الأوسط ككل، أو آجلًا في حال جرى الوصول إلى تسوية اللحظة الأخيرة بين واشنطن وطهران.






















































