يتهافت اللبنانيون، وخصوصًا منهم الشباب، للخروج من لبنان إلى دول أخرى، ويتوجهون بصفة خاصة إلى البلدان الأوروبية، كونها الأقرب وهي تمتلك إمكانات تؤهلها إلى أن تكون في مصاف الدول المتقدمة والمتطورة. ولكن، على ما يبدو، فإن المسؤولين اللبنانيين يهزأون بهذه المسألة، حتى إنهم يشككون فيها وبقدرة الدول الأوروبية على مقارعة لبنان في مواجهة التحديات والصعوبات. المشكلة في الأوروبيين وبقية الدول المتطورة، أنهم يخططون ويحاولون استباق الأمور ومواجهة التحديات من خلال الاستعداد لها بشكل جيد، وهذا ما يحيّر المسؤولين في لبنان.
لماذا كل هذا الجهد والتعب، ما دام اللبنانيون قادرين على تخطي كل العوائق التي تعترضهم أيًّا كانت قوتها وحجمها؟ ولكي لا نعود بالزمن إلى سنوات وأشهر، نكتفي بذكر ما يحصل منذ أيام، لجهة دعوة السلطات في الدول الأوروبية والكثير من دول العالم مواطنيها إلى الاعتماد على أنفسهم لمدة 72 ساعة على الأقل عند وقوع أي طارئ. أي بمعنى آخر عند استحالة تأمين الدولة متطلباتهم طوال هذه الفترة، أي بمعنى آخر تخزين المواد الغذائية والماء والحاجات الأساسية لفترة لا تقل عن ثلاثة أيام، من دون أن يعني ذلك إثارة الذعر والقلق والخوف في نفوسهم، بل تحسبًا لأي أمر قد يحصل خارج إطار التوقعات العادية (أكان حربًا أم هجمات سيبرانية تؤدي إلى تعطل خدمات، أم كوارث...). وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت هذه السلطات إلى إطلاق مثل هذا النوع من التحذير، حتى ولو كانت لأسباب سياسية، لم تقم الحكومة اللبنانية بأي تحرك في هذا الإطار، ولم تجد أنه من الضروري بحث الأمر، ولو حتى من باب "رفع العتب"، لأنها بالأصل تعتمد على استراتيجية أساسية عميقة الجذور تفتقد إليها بقية الدول، تقوم على:
إدارة الأزمة بعد وقوعها: لم أشهد مجموعة مسؤولين في العالم أكثر نشاطًا وحماسًا من المسؤولين اللبنانيين لمواجهة الأزمات بعد وقوعها، وطرح خطط وتدابير غالبًا ما تكون مجرد كلام في الهواء لا يمكن تطبيقه لعدم توافر الإمكانات، واعتبار الاستعدادات الوقائية مجرد أسباب خطيرة لبث الذعر في نفوس اللبنانيين.
التركيز على استمرار الاستيراد مهما كان الثمن، ولو غرق اللبنانيون في الديون وتراكمت المدفوعات عليهم. فالأهم هو استمرار توافد السلع، وخصوصًا منها الغذائية، والاعتماد على المساعدات الخارجية، من دون التفكير حتى بأنه يمكن لهذه الدول أن تتلكأ في إرسال المساعدات، وأنها هي نفسها من طلب من مواطنيها الاستعداد لمواجهة المشاكل والصعوبات.
إثبات اللبناني في أكثر من مناسبة أنه قادر على التأقلم والتكيف والتعايش مع كل "المصائب" التي تواجهه، وحاز على إعجاب المسؤولين اللبنانيين والعالميين في هذا المجال. صحيح أن الثمن الذي يدفعه يبقى عاليًا، ولكن، ما همّ؟ المهم هو أنه قادر على تخطي الصعوبات، وأن المسؤولين قادرون على الاستفادة من هذه "الإنجازات" للبنانيين، لضمها إلى إمكاناتهم الخارقة في التصدي للصعوبات، فيعزون الفضل إلى التدابير والإجراءات التي اتخذوها بعد وقوع الكوارث، وأنه لولا حكمتهم، لوصل الناس إلى ما لم يكن في الحسبان!
في الواقع، يرى المسؤولون اللبنانيون أنهم ليسوا بحاجة إلى الخطط والاستراتيجيات في أي شأن، لأنهم يعتمدون على المواطنين و"حنكتهم" في التعامل مع "المصائب والويلات". فيما الحقيقة هي أن اللبنانيين يعتمدون على القدرة الإلهية التي أنقذتهم أكثر من مرة من استخفاف مسؤوليهم، ومن المصير الأسود الذي ينتظرهم في كل مناسبة. ولكن على المسؤولين اللبنانيين أن يخضعوا أيضًا لدروس في اللاهوت، ليدركوا أن الله يساعد من يساعد نفسه، وأنه لا يجب أن يتحولوا إلى جحا فيصدقوا ما يعزونه إلى أنفسهم من إنجازات وكفاءات يفتقدون إليها في الواقع.























































