على الرغم من الضجة التي رافقت الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنه من الناحية العملية كانت النتائج متوقعة إلى حد بعيد. لكن الاهتمام الكبير بها، خصوصًا على المستوى الإقليمي، يعود إلى البحث في تأثيرها على ملفات المنطقة، لا سيما الحرب على إيران وتداعياتها على مختلف الجبهات.
في مطلق الأحوال، لم تنهِ الانتخابات الأميركية وجود الرئيس دونالد ترامب في السلطة لعامين إضافيين، بالرغم من أن الكثيرين يعتبرون أنه سيكون مكبّلًا خلالهما. أما ترجمة نتائج الانتخابات في إسرائيل، فهي لا تزال تنتظر قدرة القوى المعارضة على تشكيل ائتلاف حاكم ينهي وجود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في موقعه، من عدمها.
بالنسبة إلى نتنياهو، الأمور لا تزال مفتوحة على العديد من الاحتمالات، لا سيما إذا فشلت القوى المعارضة في تشكيل الائتلاف الحاكم. نظرًا إلى أن ذلك سيعني بقاءه في موقعه إلى حين إجراء انتخابات جديدة، سيسعى قبل الوصول إليها إلى تحسين أوراق قوته، التي تعتمد على تحقيق إنجاز عسكري، خصوصًا أنه كان قد خاض الانتخابات الماضية تحت عنوان التهديدات الأمنية التي تواجه تل أبيب.
بالتزامن، لا يعني بروز أي مؤشرات على إمكانية نجاح المعارضة في مهمتها أن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيبقى متفرجًا. فهو قد يبادر إلى شن عملية عسكرية موسعة من أجل دفع الجميع إلى خيار حكومة الوحدة، انطلاقًا من أن التحديات الأمنية تفرض ذلك. خصوصًا أن الرئيس الأميركي، الذي سبق له أن أعلن دعمه لنتنياهو في الانتخابات، يفضل هذا النوع من الحكومات، الذي يعني بقاء حليفه في السلطة لعامين على الأقل، أي الفترة المتبقية من ولايته.
بالنسبة إلى ترامب، تُعتبر الحرب الإيرانية، وتحديدًا تداعياتها الاقتصادية، من أبرز أسباب الخسارة التي مُني بها الحزب الجمهوري، ما يفرض عليه البحث عن كيفية وضع حد لها. لكن ذلك لا يعني أنه سيبادر إلى تقديم تنازلات كبرى، خصوصًا أنه كان يتهم خصومه الديمقراطيين بذلك، في كل مرة كان يتطرق فيها إلى الاتفاق النووي الذي وقعه الرئيس السابق باراك أوباما مع طهران، في حين هو كان قد بادر في ولايته الأولى إلى الانسحاب منه.
هنا، من الضروري الإشارة إلى أن ترامب على المستوى الشخصي ليس لديه ما يخسره. فهو لا يستطيع أن يترشح عند انتهاء ولايته الحالية للانتخابات الرئاسية من جديد، كما أنه لا يهتم كثيرًا بواقع الحزب الجمهوري. وبالتالي ليس مكبّلًا في عملية اتخاذ القرارات، لا سيما في الفترة التي تسبق ترجمة نتائج الانتخابات النصفية، ما يعني أنه من الممكن أن يبادر إلى أي خطوة في هذه الفترة تحديدًا.
ما تقدّم يقود إلى معادلة مفادها أن الفترة المذكورة قد تكون الأخطر، نظرًا إلى أن المنطقة باتت أمام "تحالف الخاسرين" اللذين من الممكن أن يبادرا إلى أي خطوة تساعدهما على تحسين واقعهما. فنتنياهو لا يزال يطمح إلى البقاء في موقعه، سواء من خلال الذهاب إلى تشكيل حكومة وحدة أو إعادة انتخابات الكنيست. أما ترامب، فيسيطر عليه في الوقت الراهن هاجس البقاء في موقع "المهزوم"، وبالتالي سيسعى إلى أي خطوة تعيد تكريسه "منتصرًا"، سواء عبر تسوية كبرى أو حرب شاملة.
في المحصلة، المنطقة في المرحلة المقبلة ستكون أمام "تحالف الخاسرين"، اللذين من غير المتوقع أن يسلما بنتائج الانتخابات بسهولة، بل من المرجح أن يبادرا إلى الالتفاف عليها بشكل أو بآخر، ما يبقي الأمور مفتوحة على كافة الاحتمالات، بانتظار الترجمة الفعلية لنتائج الانتخابات في واشنطن وتل أبيب.