في وقت يتركّز النقاش اللبناني على سلاح "حزب الله" ودوره في المرحلة المقبلة، أعادت الاتهامات الصادرة من سوريا واليمن فتح ملف آخر يتصل بحضوره خارج الحدود. فقد أعلنت السلطات السورية إحباط مخطط لاستهداف مصفاة حمص، نسبته إلى خلية قالت إنها تابعة للحزب، فيما اتهمت الحكومة اليمنية خبراء منه ومن الحرس الثوري الإيراني بالمشاركة في دعم العمليات العسكرية للحوثيين.
وبذلك، عاد البعد الإقليمي للحزب إلى الواجهة، فيما لا يزال موقعه داخل المعادلة اللبنانية نفسها موضع تجاذب، رغم أنّ الحزب نفى الاتهامات في الحالتين، مؤكدًا عدم وجوده في الأراضي السورية أو مشاركته في أنشطة تمسّ أمنها واستقرارها، ونافيًا إرسال خبراء إلى اليمن والمشاركة في إدارة العمليات هناك. وهو موقف يضع الوقائع المعلنة موضع خلاف، لكنه لا يلغي الدلالات السياسية لفتح الملفين، ولا الأسئلة التي يطرحها توقيتهما بالنسبة إلى الحزب والدولة اللبنانية وعلاقاتها العربية.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع الموقف الذي أعلنه رئيس الحكومة نواف سلام بعد لقائه رئيس الجمهورية جوزاف عون، إذ جمع بين التحذير من جرّ لبنان إلى مواجهة جديدة، والتشديد على حصرية قرار الحرب والسلم، وإدانة تدخل مجموعات لبنانية في شؤون الدول العربية، مشيرًا إلى الإعلان اليمني. فهل يستطيع لبنان حصر نقاشه حول السلاح بالداخل، فيما تعود علاقات الحزب الإقليمية إلى صلب الضغوط والسجالات المحيطة به؟
الدور الإقليمي يعود إلى النقاش
خلال السنوات الماضية، اتسع دور "حزب الله" خارج الحدود اللبنانية، وكان تدخله العسكري إلى جانب النظام السوري السابق أبرز تعبيراته. وقد انعكس هذا المسار على موقعه في المنطقة وعلى علاقاته بخصومه وحلفائه، كما دخل في صلب الخلاف اللبناني حول حدود وظيفته العسكرية والجهة التي تملك تحديدها. لذلك، فإن عودة الاتهامات بنشاط خارجي تستحضر نقاشًا يتجاوز تفاصيل كل ملف، ويتصل بصورة الحزب عن نفسه وموقعه ضمن الصراع الإقليمي.
لكن السؤال اليوم يختلف عما كان عليه خلال مرحلة تمدد نفوذ الحزب. فالنقاش يجري في ظل خسائر الحرب وتداعياتها، والضغط لحصر السلاح بيد الدولة، والحاجة الملحّة إلى إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار. وفي هذه الظروف، يصبح لأي سجال حول نشاط خارجي أثر مباشر في النقاش الداخلي: هل تتجه أولويات الحزب نحو معالجة نتائج الحرب في لبنان، وكيف يحدّد علاقته بساحات المنطقة خلال هذه المرحلة؟
وتضع هذه المسألة الحزب أمام تحدٍّ سياسي يتجاوز الردّ على اتهام محدد. فالنفي يعبّر عن موقفه من الوقائع المنسوبة إليه، أما توضيح رؤيته لدوره الإقليمي فيخاطب سؤالًا أوسع لدى اللبنانيين، إذ إن موقعه خارج الحدود يرتبط، في النقاش العام، بقدرته على اتخاذ قرارات قد تتجاوز نتائجها جمهوره وبيئته. ومن هنا، فإن تحديد أولوياته وحدود التزاماته يصبح جزءًا من أي بحث جدّي في موقعه داخل الدولة.
سوريا.. من الحليف إلى مصدر التوتر
وتحمل الحالة السورية دلالة خاصة، لأن الاتهام يأتي من بلد شكّل، في عهد بشار الأسد، ركيزة أساسية في حسابات الحزب الإقليمية. فقد قاتل الحزب إلى جانب النظام السابق، ثم تبدلت السلطة في دمشق وساءت علاقته بها. ولهذا، فإن السجال الراهن يعكس أيضًا عمق التحول في البيئة المحيطة بلبنان: العلاقة التي قامت لسنوات على التحالف والتنسيق أصبحت محكومة بانعدام الثقة وتبادل الاتهامات.
ولا تختصر هذه القطيعة بعلاقة الحزب بالسلطة السورية الحالية، لأن لبنان نفسه يحتاج إلى بناء علاقة عمل معها. فالحدود وحركة العبور وعودة النازحين والمصالح الاقتصادية ملفات تفرض التواصل، مهما كانت الخلافات السياسية. وهنا تظهر المعضلة: كيف تطوّر الدولة اللبنانية علاقتها بدمشق، فيما يبقى طرف أساسي في الحياة السياسية اللبنانية على خصومة معها، وتصدر عنها اتهامات أمنية بحقه؟
ويعطي هذا الواقع أهمية إضافية للفصل بين علاقة الدولتين وعلاقة القوى السياسية بالسلطة السورية. فلبنان لا يستطيع أن يجعل مصالحه المشتركة مع سوريا رهينة هذا الخلاف، كما أن تطوير العلاقات الرسمية يحتاج إلى قدرة متبادلة على معالجة الملفات الأمنية عبر المؤسسات. وتصبح الاتهامات الأخيرة اختبارًا لطريقة إدارة التوتر: هل تتسع لتطغى على العلاقة، أم تستطيع الدولتان إبقاء قنوات التعاون قائمة ومعالجة كل ملف وفق معطياته؟
سلام يرسم حدود المسؤولية
أما موقف سلام، فيكتسب معناه السياسي من جمعه بين خطر المواجهة المقبلة ورفض التدخل في شؤون الدول العربية. فهذا الجمع يوسّع مفهوم حماية لبنان ليشمل القرارات والأنشطة التي قد تنعكس على أمنه وعلاقاته، ويضع مصلحة البلاد معيارًا يفترض أن تلتزم به القوى الداخلية. كما يعيد تأكيد أن تحديد موقع لبنان من صراعات المنطقة يدخل ضمن مسؤولية مؤسساته الدستورية.
غير أن إعلان هذه القاعدة يطرح فورًا سؤال القدرة على تطبيقها. فالحكومة تستطيع تحديد سياستها الخارجية والتعبير عن التزاماتها، لكن صدقية هذه الالتزامات ترتبط بمدى سلطتها الفعلية على القرارات الأمنية والعسكرية. وحين يبقى الخلاف قائمًا حول هذه السلطة في الداخل، يصعب فصل النقاش عن الصورة التي يقدمها لبنان إلى الخارج: من يملك القرار، ومن يستطيع ضمان الالتزام به، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه؟
من هنا، تتجاوز المسألة سجالًا بين الحكومة والحزب حول تصريح أو بيان. فما يقوله سلام يضع أمام القوى اللبنانية سؤالًا عن إمكان الاتفاق على حدود واضحة للمشاركة في صراعات الخارج، وعن المرجعية التي تقرّرها. ويشكّل الوصول إلى هذا الوضوح مصلحة للدولة وللحزب أيضًا، لأنه يقلّص المساحة التي تسمح بإبقاء لبنان عرضة لتفسيرات متناقضة حول سياساته والتزاماته.
العلاقات العربية جزء من المعادلة الداخلية
وفي المقابل، يصعب التعامل مع العلاقات العربية باعتبارها ملفًا دبلوماسيًا منفصلًا عن حاجات لبنان الداخلية. فالبلاد تحتاج إلى استقرار علاقاتها وإلى تعاون اقتصادي ودعم لجهود التعافي، فيما يتطلب ذلك قدرًا من الثقة بقدرة الدولة على احترام التزاماتها. ولهذا، فإن أي توتر جديد يضع الحكومة أمام مهمة حماية هذه المصالح ومنع انتقال الخلافات إلى مجالات يدفع اللبنانيون أثمانها.
لكن بناء الثقة مسؤولية متبادلة أيضًا. فهو يتطلب من الدول المعنية التعامل مع المؤسسات اللبنانية بوصفها المرجع الرسمي، وإتاحة معالجة الملفات عبرها، مع التمييز بين أي مسؤولية محددة قد تثبت وبين مصالح لبنان واللبنانيين عمومًا. وبذلك، تستطيع الحكومة أن تدافع عن علاقاتها العربية وعن سيادة قرارها في الوقت نفسه، بدل أن تتحول إلى طرف ينقل مواقف الآخرين إلى الداخل أو يكتفي بشرح الانقسامات اللبنانية للخارج.
ويبقى أن ضبط علاقة القوى الداخلية بصراعات المنطقة لا يمنح لبنان ضمانة ضد الاعتداءات الإسرائيلية، ولا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها عنها. لكنه يساعد الدولة على تحديد مسؤولياتها وأولوياتها بصورة أوضح، ويمنحها أساسًا أقوى للمطالبة باحترام سيادتها. فالحاجة إلى حماية البلاد تفرض معالجة مصادر ضعف القرار الداخلي، بالتوازي مع مواجهة الأخطار والضغوط الخارجية.
في المحصلة، أعادت الاتهامات السورية واليمنية طرح سؤال الدور الإقليمي لـ"حزب الله"، في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى ترتيب أولوياته بعد الحرب. وقد تبقى تفاصيل الملفين موضع خلاف، لكن السؤال السياسي الذي فتحاه سيظل حاضرًا: هل تستطيع القوى اللبنانية الاتفاق على أن تحدّد الدولة موقع البلاد من صراعات المنطقة؟ هنا يتصل النقاش حول الخارج بالنقاش حول السلاح في الداخل، وهنا أيضًا يبدأ اختبار قدرة الحكومة على تحويل مواقفها المعلنة إلى سياسة يلتزم بها الجميع.





















































