لم يكن التصويت للديمقراطيين في الانتخابات الأميركية الأخيرة تعبيرًا بالضرورة عن تحوّل في القناعات السياسية للناخبين. فبين من حافظ على انتمائه الجمهوري لكنه اختار مرشحًا ديمقراطيًّا في انتخابات محلية، ومن صوّت احتجاجًا على الحرب وتداعياتها الاقتصادية، برزت دوافع مختلفة ساهمت في رسم نتائج الانتخابات النصفية. فهل خسر الجمهوريون لأن الأميركيين غيّروا توجهاتهم، أم لأن بعض الناخبين قرروا محاسبتهم على أدائهم؟
المواطن الأميركي سامي حنا، الذي يعتبر نفسه جمهوريًّا منذ سنوات، يوضح لـ"النشرة" أن انتماءه إلى الحزب يرتبط بقناعاته المحافظة وتمسكه بالقيم الاجتماعية التقليدية، بما فيها موقفه الرافض للمثلية الجنسية.
لكن هذه القناعات لم تمنعه من التصويت لمرشح ديمقراطي في الانتخابات النصفيّة. ويوضح حنا أن اختياره جاء نتيجة علاقته الشخصية بالمرشح، وليس اقتناعًا ببرنامجه السياسي، مؤكدًا أنه لا يزال يؤيد توجهات الجمهوريين على المستوى الوطني.
ويعتبر أن الناخبين الأميركيين يصوّتون أحيانًا وفق أداء المرشحين، وأحيانًا أخرى انطلاقًا من انتماءاتهم الحزبية، مشيرًا إلى أن الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار أثّرا أيضًا في خياراتهم.
أما المواطنة الأميركية كلودين حبيب، فتقدّم نموذجًا مختلفًا. فهي لا تعتبر نفسها جمهورية أو ديمقراطية، لكنها اختارت التصويت للديمقراطيين هذه المرة، اعتراضًا للحرب على إيران، وخصوصًا انعكاساتها على الاقتصاد الأميركي والأوضاع المعيشية.
وتكشف هاتان التجربتان عن اختلاف الدوافع وراء التصويت للحزب نفسه. ففي حين تحكم العلاقات الشخصية بعض الخيارات المحلية، يمكن أن تتحول الانتخابات الوطنية إلى وسيلة للاعتراض على السياسات الحكومية، من دون أن يعني ذلك تبنّي البرنامج السياسي للحزب المنافس.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما أعلنه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي أقرّ بأن عددًا من الناخبين الذين دعموا دونالد ترامب عام 2024 اختاروا الديمقراطيين في انتخابات 2026.
وفي منشور عبر منصة "إكس"، اعتبر فانس أن المشكلة الأساس لم تكن ضعف المشاركة الجمهورية، بل انتقال أصوات إلى الحزب المنافس، محمّلًا الحرب على إيران المسؤولية الرئيسية عن الخسارة.
ونقل عن أحد خبراء استطلاعات الرأي أربعة مطالب لناخبين ابتعدوا عن الجمهوريين: إنهاء الحرب، ومعالجة التضخم وتكاليف المعيشة، وإعطاء الأولوية لأميركا، وإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل.
غير أن تفسير النتائج لا يقتصر على انتقال الأصوات بين الحزبين. فالمستقلون والناخبون الجدد، إلى جانب اختلاف نسب المشاركة، يمكن أن يؤثروا في موازين القوى، خصوصًا في الولايات التي تُحسم فيها المنافسات بفوارق محدودة.
وتعكس الأرقام أهمية العامل الاقتصادي. فبحسب استطلاعات الرأي، اعتبر 49% من ناخبي مجلس النواب أن تكاليف المعيشة كانت عاملًا حاسمًا في تصويتهم، مقابل 34% أعطوا الأهمية نفسها للحرب على إيران.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الولاء الحزبي، وإن بقي مؤثرًا، لا يمنح أي حزب ضمانة انتخابية دائمة. فالناخب المحافظ قد يختار ديمقراطيًّا في انتخابات بلدية لأسباب شخصية، بينما قد يمنح ناخب مستقل صوته للديمقراطيين احتجاجًا على سياسات الجمهوريين.
وبين تجربتي حنا وحبيب واعترافات فانس، يبرز سؤال يتجاوز نتائج انتخابات 2026: هل بات الناخب الأميركي أكثر استعدادًا للفصل بين قناعاته السياسية وحكمه على أداء السلطة؟
قد لا تعني الخسارة الجمهورية تحوّلًا دائمًا في الخريطة السياسية الأميركية، لكنها تكشف أن الاحتفاظ بثقة الناخبين يتطلب أكثر من مجرد الاعتماد على انتماءاتهم الحزبية.

























































