بعد وضوح حجم خسارة الحزب الجمهوري في مواجهة غريمه التقليدي الحزب الديمقراطي، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الادعاء بأنه لو كان مرشحًا على المستوى الشخصي لحقق فوزًا كاسحًا. وهو استمرار لتصرّفاته ومواقفه المتشاوفة والفوقية والنرجسية التي ساهمت في خسارة الكثير من أصوات الناخبين الذين يؤيدون عمومًا الخطوط العريضة لسياسة الجمهوريين! وبعد التغير الكبير في موازين القوى داخل الولايات المتحدة الأميركية، ما هي التوقعات بالنسبة إلى سياسة الإدارة الأميركية الخارجية، وماذا عن مصير الصراع الحاد مع إيران؟
بداية، لا بدّ من الإشارة إلى أن أسباب خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في الكونغرس تعود إلى مجموعة من العوامل والأسباب المتداخلة. وفي طليعتها القفزة الحادة في أسعار المشتقات النفطية، التي انعكست تصاعدًا لمعدلات التضخم وغلاءً مستشريًا، بحيث تقلصت القدرة الشرائية للمواطنين الأميركيين، كما هو حال سواهم في مختلف أنحاء العالم. وزادت السياسات الاستفزازية التي انتهجها ترامب على مستوى الرسوم الجمركية من عمق الأزمة، لجهة ارتفاع كلفة الإنتاج والسلع المستوردة على السواء. ولا شكّ أن أصوات كل الجاليات المهاجرة إلى أميركا، ممن ولدوا خارج الأراضي الأميركية، صبت لصالح الحزب الديمقراطي ردًا على سياسة الرئيس الأميركي العدائية ضد المهاجرين. والأسباب التي أدت إلى خسارة الجمهوريين تشمل أيضًا رفض الكثير من الأميركيين أن تُدفع أموال الضرائب التي يسددونها لتمويل الحروب خارج أميركا، وللتدخل في شؤون لا تعني المواطن الأميركي في حياته العادية واليومية. علمًا أن ما لا يعرفه هؤلاء أن شركات إنتاج الأسلحة الأميركية حققت عائدات قياسية خلال الأشهر الماضية، ووقعت عقود إنتاج تستمر لسنوات طويلة لصالح جهات خارجية عدة!
في كل الأحوال، بعد خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس، سيواجه الرئيس ترامب مرحلة حرجة من التوازن السياسي، حيث ستتقلص قدرته التشريعية المحلية في مقابل احتفاظه بنفوذ واسع في السياسة الخارجية والعمليات العسكرية الخاطفة. فعلى الصعيد الداخلي، ستدخل الإدارة الأميركية نفق الشلل التشريعي؛ فلن تُمَرَّر قوانين كبرى، ومنها التخفيضات الضريبية أو تعديل ملف الهجرة، دون موافقة الديمقراطيين، لينحصر دور البيت الأبيض في استخدام "الفيتو" لتعطيل مشاريع الخصوم. وفي المقابل، سيمتلك الديمقراطيون سلطة الضغط المالي عبر عرقلة ميزانيات المشاريع الحيوية والمساومة عليها، بالتوازي مع سيطرتهم على لجان الكونغرس الدستورية، ما يمنحهم قوة إصدار مذكرات الاستدعاء وفتح التحقيقات الموسعة لإبقاء الإدارة تحت رقابة دائمة. أما ملف التعيينات الفيدرالية والوزارية الذي يرتبط بمجلس الشيوخ، فسيُشلّ تمامًا مع فوز الديمقراطيين بالأغلبية فيه. وبموازاة تلك القيود، تبرز مرونة صلاحيات الرئيس الأميركي بكونه قائدًا أعلى للقوات المسلحة، حيث يحتفظ بالحق المطلق في إصدار أوامر مباشرة لشن ضربات جوية أو صاروخية خاطفة دون إذن مسبق، مع التزامه بإبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة وسحب القوات الأميركية خلال 60 إلى 90 يومًا ما لم يحصل على تفويض رسمي. وعلى الرغم من هذا الهامش من الحرية العملياتية، يبقى الكونغرس قادرًا على تطويق طموحات الإدارة العسكرية عبر ممارسة الضغط السياسي والشعبي، مستخدمًا سلاحه المالي الأقوى بقطع التمويل الضروري لاستدامة أي عمليات طويلة الأمد. ومن الضروري الإشارة إلى أن الكونغرس الأميركي الجديد يتسلم سلطاته رسميًا في الثالث من كانون الثاني 2027، ما يعني أن الرئيس الأميركي ما زال يملك هامشًا للمناورة الكاملة يمتد نحو شهرين.
وانطلاقًا مما سبق، يمكن القول إن خطة إيران التي قضت باعتماد المناورة والتسويف على مستوى المفاوضات مع أميركا، في انتظار موعد انتخابات التجديد النصفي، قد نجحت. والأهم أن رهانها على خسارة الجمهوريين أمام الديمقراطيين، بفعل الأزمة الحادة التي سببها إغلاقها لمضيق هرمز على صعيدي الأسعار النفطية وغلاء المعيشة، قد نجح أيضًا. بحيث صار موقف الرئيس ترامب التفاوضي مع طهران أكثر ضعفًا مقارنة بالأشهر الماضية. والأسئلة التي تفرض نفسها في ضوء هذا الواقع المستجد، تتلخص بالتالي:
أولًا: إذا كان من الطبيعي أن يتشدد المفاوض الإيراني بعد الذي حصل في أميركا، هل سيتنازل المفاوض الأميركي تحت وطأة خسارة الجمهوريين، بحيث يعطي الرئيس ترامب أوامره للمفاوضين بضرورة التساهل، وبالتالي يتم سريعًا توقيع اتفاق سلام يميل لصالح إيران لكنه على الأقل ينهي الصراع بين واشنطن وطهران، ويسفر عن انخفاض الأسعار بالتدرج؟
ثانيًا: هل سيلجأ الرئيس ترامب من جديد إلى اعتماد سياسة الهجمات العسكرية المحدودة في الزمان والمكان ضد أهداف في إيران، من دون التورط في حرب شاملة، بحيث تبقى الأزمة مفتوحة إلى حين التوصل إلى تسوية مقبولة تتطلب تنازلات متبادلة؟ خاصة وأن الانتخابات انتهت ولم يعد يوجد ما يمكن خسارته.
ثالثًا: هل سيهرب الرئيس ترامب إلى الأمام ويعطي أوامره للجيش الأميركي بتوجيه ضربة قاصمة لإيران، تستجلب ردًا شديدًا من جانب "الحرس الثوري الإيراني" بشكل يهدد المصالح الأميركية ومصالح الحلفاء الإقليميين لواشنطن؟ بحيث يُفتح الباب على مصراعيه أمام حرب قاسية لا يمكن للكونغرس الأميركي إدارة ظهره لها – بغض النظر عن صلاحيات كل جهة سياسية – لأن المسألة ترتبط بالمصالح الاستراتيجية الأميركية التي تتجاوز هوية الحزب الحاكم، أكان جمهوريًا أم ديمقراطيًا.
الصورة حتى هذه اللحظة ضبابية بالنسبة إلى الخيار الذي سيلجأ إليه الرئيس الأميركي. لكن بحسب التكهنات السياسية البعيدة عن الإعلام، الخيار الأول ضعيف ومستبعد، والخيار الثالث صعب التحقيق في وقت قصير. الأمر الذي يرفع من نسبة اللجوء إلى الاحتمال الثاني، مع إمكان تحوله إلى حرب شاملة مع مرور الوقت! فهل يمكن التكهن بما ستقود إليه عودة الضربات العسكرية، حتى لو كانت بداياتها محدودة؟ بالتأكيد لا، فهي قد تبدأ بهجوم قوي لكن بأهداف محصورة، ثم تُجبر الردود العسكرية الإيرانية المهاجمين على توسيع نطاق دائرة الاستهداف، وعلى تمديد الفترة الزمنية للهجوم. ناهيك عن احتمال دخول الجانب الإسرائيلي، والجماعات العسكرية المتحالفة مع إيران، في المواجهة بكل ثقلهم أيضًا.





















































